المقالات والسياسه والادب

لم يفتني أي قطار بقلم نور شاكر



لم يفتني أي قطار
أنا فقط مررتُ من جميع
المحطات

وتركتُ على مقاعدها
شيئًا من تعبي وبعضًا
من أحلامي

وأشياء صغيرة لم أعد أذكر
متى فقدتُها
لكنني ما زلتُ أشعر بغيابها

كنتُ أحمل حقائبي معي
في كل محطة…

أجر خلفي أعوامًا
من الانتظار وأحلامًا
لم تجد طريقها بعد

ورسائل لم أكتبها
ووداعاتٍ لم ألتفت إليها
ووجوهًا ظننتُ يومًا
أنها ستكون محطتي الأخيرة

لم أكن أخشى التأخر
ولا كان يؤلمني
أن أرى القطارات تغادر
تباعًا من أمامي

كنتُ أعرف أن لكل قطارٍ وجهة
ولكل وجهةٍ حكاية

وأن الوصول ليس سباقًا
وأن الذين يصلون أولًا
ليسوا بالضرورة
أولئك الذين وجدوا الطريق

ركبتُ قطاراتٍ كثيرة

بعضها كان سريعًا
حتى إنني لم أستطع
أن أرى ملامح المدن من نوافذها

وبعضها كان بطيئًا
يمنحني من الوقت
ما يكفي لأراجع نفسي
وأتأمل الوجوه العابرة …

وأكتشف أنني لم أكن أبحث عن مقعدٍ مريح بقدر ما كنت أبحث عن مكانٍ يشبه روحي

وفي كل مرة كنتُ
أظن أنني وصلت
كانت الحياة تفتح
أمامي نافذةً أخرى

وتقول لي ما زال في الطريق متسعٌ لحكاية جديدة
وما زالت هناك محطات لم تتعلم قدماك أسماءها
وأحلامٌ تنتظر منك
أن تمنحها فرصةً أخيرة

لهذا لم أعد ألتفت إلى القطارات الراحلة ولم أعد أحصي كم مرةٍ تأخرت ولا كم بابًا أُغلق
في وجهي

فبعض الطرق لا تُفتح في الوقت الذي نريده
وبعض الأمنيات تحتاج أن ننضج أولًا قبل أن تصبح قادرةً على الوصول إلينا…

أنا لا أحمل حقائبي
لأنني أخشى أن يفوتني الطريق

بل لأنني تعلمت
أن الإنسان قد يضطر إلى الرحيل أكثر من مرة حتى يجد المكان الذي لا يشعر فيه بالغربة

لم يفتني أي قطار لقد مررتُ من جميع القطارات

وما زلتُ هنا أحمل حقائبي
وأمضي بقلبي الذي يعرف
أن لكل شيءٍ موعده
وأن الطريق الذي تأخرنا
عنه قد لا يكون طريقنا أصلًا

لا يهمني أي قطارٍ أركب
ولا كم من الوقت سأمضي
بين محطةٍ وأخرى
ولا إن وصلتُ قبل الآخرين
أم جئتُ بعدهم بسنوات

كل ما يهمني أن أصل يومًا
وأضع حقائبي على الأرض
دون أن أفكر في الرحيل

أن أنظر حولي فلا أجد شيئًا أبحث عنه ولا حلمًا تركته خلفي ولا روحًا تنتظر مني أن أعود إليها

فأنا لا أبحث عن قطارٍ أسرع
بل عن وجهةٍ تستحق الوصول

ولا أخشى أن تفوتني القطارات ما دمتُ لم أفقد رغبتي في الوصول

مقالات ذات صلة