ماغون القرطاجي

ماغون القرطاجي
ملفينا توفيق ابو مراد / لبنان
يُعدّ ماغون القرطاجي من أبرز الأسماء التي ارتبطت بعلم الزراعة في العالم القديم، وقد عُرف بوصفه كاتبًا قرطاجيًا ألّف مؤلفًا ضخمًا في الزراعة باللغة البونية، جمع فيه معارف وتجارب زراعية كانت متفرقة في مؤلفات سابقة. وقد بلغ مؤلفه ثمانية وعشرين كتابًا، وشمل جوانب متعددة من الزراعة وتربية الماشية وإدارة الأراضي.
ولا تتوافر معلومات كثيرة مؤكدة عن حياته الشخصية، كما أن تحديد زمنه بدقة ليس أمرًا محسومًا؛ فبعض الدراسات الحديثة تضع نشاطه في فترة تمتد تقريبًا من القرن الرابع إلى أوائل القرن الثاني قبل الميلاد. وتذكر المصادر الرومانية ماغون بوصفه شخصية بارزة في المعرفة الزراعية، حتى إن فارّون وضعه في منزلة متقدمة بين الكتّاب الزراعيين، ووصفه كولوميلّا بأنه من آباء علم الزراعة.
كان كتاب ماغون واسع الموضوعات، وتناول أصول الزراعة وإدارة الأراضي والعناية بالمحاصيل والأشجار وتربية الحيوانات، وقد مثّل خلاصة مهمة للخبرة الزراعية القرطاجية والبونية. الكتاب الأصلي ، بحكم المختفي ، إذ فُقد النص البوني، لكن أجزاءً ومقتطفات من محتواه بقيت محفوظة بصورة غير مباشرة من خلال الترجمات والاقتباسات التي نقلها الكتّاب اليونان والرومان.
ومن أشهر ما نُقل عن ماغون توجيهه إلى صاحب الأرض بأن يولي ضيعته عناية مباشرة، وقد حفظ كولوميلّا عنه قولًا بمعنى أن من يشتري ضيعة في الريف ينبغي أن يبيع منزله في المدينة، حتى لا يبقى قلبه متعلقًا بحياة المدينة ويهمل أرضه. ويكشف هذا القول عن اهتمام ماغون بالإدارة العملية للأرض، وليس بالزراعة بوصفها مجرد معرفة نظرية.
وقد حظي مؤلفه بتقدير كبير لدى الرومان. فبعد سقوط قرطاج سنة 146 قبل الميلاد، أمر مجلس الشيوخ الروماني بترجمة مؤلف ماغون الزراعي إلى اللاتينية، وأسندت الترجمة إلى ديسيموس جونيوس سيلانوس وغيره من العارفين باللغة البونية. كما تُرجم الكتاب إلى اليونانية على يد كاسيوس ديوفيسيوس من أوتيكا، ثم اختُصر لاحقًا في مؤلفات أخرى.
وتكشف هذه العناية الرومانية بمؤلف ماغون عن القيمة التي أُعطيت للمعرفة الزراعية القرطاجية؛ فالمؤلف لم يكن مجرد كتاب في الفلاحة، بل كان حصيلة خبرة زراعية واسعة وصلت آثارها إلى الكتّاب الزراعيين في العالم اليوناني والروماني. وقد ظل ماغون حاضرًا في مؤلفاتهم من خلال الاقتباس والترجمة والاختصار، رغم ضياع مؤلفه الأصلي.
ومن هنا تبرز أهمية ماغون القرطاجي في دراسة الحضارة البونية؛ فهو يمثل جانبًا علميًا من جوانب قرطاج، إلى جانب ما عُرفت به من الملاحة والتجارة والصناعة، ويشهد على أن المعرفة الزراعية كانت جزءًا أساسيًا من تجربتها الحضارية..
ماغون القرطاجي: اسمٌ ضاع كتابه، وبقي أثر علمه في كتب من جاؤوا بعده.
2026/9/24


