محاكمه تحت المجهر

محاكمه تحت المجهر
بقلم الكاتبة إيمان نجار
*”في العتمة…
حيثُ لا يراك أحد، تبدأ المحاكمات.”*
أنا المتّهمة…
أنا القاضي، والشاهد، والحبلُ الملفوف على عنقي من صنع أفكاري.
ليلي ليس مظلماً… بل مُنتهكٌ بضوءِ أخطائي.
أنظر إلى المرآة فلا أرى وجهي، بل سلسلةً من الوجوه التي تخلّيتُ عنها كي ينجو الجميع…
تقول لي نفسي:
”لماذا لم ترفعي صوتك حين كان الصمت سكيناً؟
لماذا سامحتِ حين كان الغفران خيانة لكرامتك؟
لماذا لبستِ جلدَ الرضا، وأنتِ تصرخين من الداخل كوحشٍ محبوس؟”
أحفر في صدري، أبحث عن قلبٍ لم يعد ينبض بل ينكمش كخرقةٍ مبتلّة.
أحاسب نفسي لأنني جعلت من وجعي سلّماً كي يصعد الآخرون…
ونسيت أنني لا أملك جناحين لأعود من هذا السقوط.
أقِف في منتصف الغرفة،
تحت سطوة صمتي الثقيل…
كأن الأرض تمتص صوتي وتُعيده لي مشنوقًا.
أُشير إليّ:
”أنتِ سبب الخراب،
كلّ الذين غادروك فعلوا لأنكِ سمحتِ لهم،
كل الذين كسروك، وجدوا هشاشتكِ مشرّعة كنافذة مهجورة.”
أشعر أني أنزف…
لا من جُرحٍ ظاهر، بل من أماكن لا ترى ،،
من ذاكرةٍ عضّت على لحظاتها كذئبٍ يتضوّر.
كل حكاياتي المنسيّة تنهض من تحت جلدي،
تصيح بي:
”كُنتِ تعرفين، لكنكِ كنتِ تضعين المسامير مكان العيون…”
هل كان يُفترض بي أن أكون أقسى؟
أن أغلق الأبواب بوجوههم، لا أن أُغلق على نفسي؟
هل الطيبة كانت جهلي؟
أم الجهل كان في ظنّي أن الطيبة تُنقذ أحداً؟
أقترب من المرآة…
فلا أرى وجهي،
بل امرأة تلوّح لي من قاع الذنب،
عينها مكسورة كزجاجٍ داسه الوقت،
شفاهها صامتة… لكن صوتها يُشبه عويل العُمر.
أصرخ بي:
”كفى تبريراً!
كفى اتّهاماً للقدر،
السكين في يدكِ، والجرح فيكِ.”
الليلة…
سأنام على قفا السؤال،
وأستيقظ من موتي،
لأعيد بناء أنقاضي بصوتٍ لا يرتجف،
وسأكون وحدي… القاضي، والمتهم، والجلّاد،
وآخر شهقة تقول:
*”نجوتُ منّي… أخيرًا.”*


