المقالات والسياسه والادب

محمد المليجي سيرة عطرة بين محراب العلم وعرش الكلمة

 بقلم نهاد السيد

في قلب الدقهلية، حيث تعانق المآذن عبق الأرض الطيبة، وفي قرية “طنيخ” التابعة لمركز نبروه، حمل فجر 1971 بشارة سارة وميلاد روحٍ لم تكن عابرة، بل كانت قصيدةً غرست قوافيها في الأرض واكتملت في السماء!

محمد المليجي سيرة عطرة بين محراب العلم وعرش الكلمة

إنه الدكتور محمد أحمد محمد المليجي. نشأ في كنف دوحةٍ عامرة بالتقوى، بين يدي والدٍ جليل جاوز الخامسة والستين ربيعاً، يحمل أمانة المأذونية الشرعية للقرية خلفاً لوالده الراحل محمد المليجي، فكان البيت محراباً للعلم والسكينة، تظلله عاطفة أمٍّ وهبت حياتها لغرس الحنان والرأفة في نفسه وفي نفس أختيه، فصاغت من وجدانه قطعةً من النقاء.

​انطلقت رحلته المعرفية من مدرسة أسامة بن زيد الابتدائية بطنيخ، لكنّ نداء القرآن كان أقوى، فقبل أن يتم الصف السادس الابتدائي اجتاز مسابقةً كبرى للذكر الحكيم فتحت له أبواب الأزهر الشريف، ليبدأ مسيرة التفوق التي لم تعرف الانكسار؛ فحصد المركز السادس على مستوى الجمهورية في الشهادة الإعدادية الأزهرية عام 1985، وتلاها بالمركز العاشر على مستوى الجمهورية في الثانوية الأزهرية عام 1989، وهو التميز الذي قاده إلى كلية أصول الدين بالمنصورة، ليتخرج منها عام 1993 بتفوقٍ باهر، ويُعين معيداً بقسم العقيدة والفلسفة بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف، ثم يكلل مسيرته العلمية بماجستير نال عنه درجة الامتياز عام 2001، وبينما كان يضع اللمسات الأخيرة على أطروحة الدكتوراه، اختطفه الموت قبل مناقشتها، لتظل شهادته الكبرى معلقةً في سجلات الخلود.

​أما عن تجلياته الأدبية، فقد بدأ الوجع الشعري يراوده وهو في الخامسة عشرة، فاندفع يقرض القوافي دراسةً وفهماً، وكان عشقه للكلمة الموزونة هو الدافع الجوهري لتحويل مساره من القسم العلمي إلى الأدبي في المرحلة الثانوية.

ولأن موهبته لم تكن لتتوارى، فقد عرفت قصائده طريقها إلى صفحات مجلة “الوعي الإسلامي” الكويتية، والعديد من الدوريات العربية الأخرى، ورغم فترات الهجر التي باعدت بينه وبين القلم، إلا أن الشعر عاوده بفيضٍ غزيرا فأثمر مجموعته الأولى.

لقد طاف “المليجي” في بساتين الأقدمين والمحدثين، فقرأ المعلقات وتوقف طويلاً عند كبرياء عنترة، وتضلع من حكم المتنبي، وعاش مع أبي العلاء المعري في محبسه، وحلق بروحانية محمد إقبال في أعالي السماء، كما لم تغب عنه رهافة شوقي وحافظ ومحمود حسن إسماعيل وإبراهيم ناجي، فامتزجت في روحه أصالة التراث بجمال الحداثة، وصادق في رحلته كبار الكلمة أمثال المهندس وحيد الدهشان ، والأديب جابر قميحة.

محمد المليجي سيرة عطرة بين محراب العلم وعرش الكلمة

​وفي الجانب الإنساني من سيرته، اقترن الدكتور محمد بتاريخ 1/7/2000بالأستاذة الشيماء صلاح عبد القادر حاصلة على ليسانس اداب وتربية قسم اللغه الانجليزيه ابنة الأستاذ الفاضل صلاح عبد القادر سليم الموجه العام بالأزهر الشريف والمربية الفاضلة الاستاذة مفيدة الحمزاوي عبدالرؤوف وقد أثمر هذا الرباط المقدس عن ابنتين؛ الأستاذة رواء والتي شهدت حنان أبيها في حياته، والأستاذة فداء التي أطلت على الدنيا يتيمةً بعد رحيله. وهنا تجلت تضحية الزوجة الوفية، ابنة الأصل الطيب، التي رهنت حياتها وهي في ريعان شبابها لخدمة ذكرى زوجها، وغرس مبادئه في ابنتيهما، فقدمت للمجتمع أنقى خلفٍ لأطهر سلف.
​وفي عصر يوم الخميس، الثاني عشر من رمضان لعام 1424 هجرية، الموافق للسادس من نوفمبر عام 2003 ميلادية، وبينما الناس تتهيأ لاستقبال لحظات الإفطار، ترجل الفارس أثناء عودته إلى قريته المحبوبة “طنيخ”،ليرحل الإنسان الخلوق والودود والحيي، تاركاً وراءه سيرةً عطرة لا يمحوها الغياب، وقصة كفاحٍ علمي وأدبي ستظل تروى كشاهدٍ على نبل المقصد وطهارة الروح.
محمد المليجي سيرة عطرة بين محراب العلم وعرش الكلمة

بذات النفَسِ الرفيع، نُتمُّ هذا النسيج الوجداني ليكون ختاماً يليق بروحِ الفارس:
​محمد المليجي الذي انخرط في الشعر والأدب والفقه، لمع سريعا كالبرق ومرق سريعا أيضا كالشهاب، وكأنّ روحَهُ الشفيفة كانت تُطلُّ على الغيب من كثب، فتلمست ريحَ الرحيل قبل أوانه، ليخطّ قلمُه في أيامه الأخيرة أبياتاً لم تكن مجرد شعر، بل كانت وصيةً مبللةً بدمعِ اليقين، ورثاءً استباقياً لنفسه التي فارقتنا صائمةً وفي أقدس الأيام.
ففي قصيدته الأخيرة، التي تتألق صدقاً وتنبؤاً، نادى “أُمَّه” بلغةٍ عاميةٍ تنسابُ إلى سويداء القلب، وكأنه يمسحُ جرحَ الفراق قبل وقوعه ويُمهد لها طريق الصبر الجميل، حيث قال:
​يا أُمّ الشهيد اغزلي ثوب فرحته يامّـه
حني عروسته الجدع وحبيبته من دمـه
قيدي شموع الفرح وادي ولاد عمـه
قولي لأهل البلد فارس ولا يهمـه
أوعى الدموع تسبقك وتسيل على فمـه
صايم.. فطوره هناك.. قام الرسول ضمه
مسكه يفوح في السما والله أنا شمـه
​لقد صدق الله فصدقه؛ فكان “فطوره هناك” كما تمنى، ورحل والمسكُ يفوح من سيرته ومن كلماته، ليظل الدكتور محمد المليجي حياً في ذاكرة القلوب، ليس فقط كعالمٍ وأديب، بل كفارسٍ ترجل وهو يرتدي ثوب النور، تاركاً خلفه إرثاً من القيم وحكايةً من الوفاء تخجل من وصفها المحابر.

محمد المليجي سيرة عطرة بين محراب العلم وعرش الكلمة
محمد المليجي سيرة عطرة بين محراب العلم وعرش الكلمة
لا يتوفر وصف للصورة.

مقالات ذات صلة