المقالات والسياسه والادب

محمود السنكري يكتب: بطولات الكاميرا.. والثمن كرامة الموظف

مسؤولون يصنعون بطولاتهم أمام الكاميرا.. والموظف البسيط يدفع ثمن اللقطة والترند

محمود السنكري 

ليست كل لقطة إنجازًا ولا كل صرخة أمام الكاميرا دليلًا على الحزم فحين يتحول المنصب إلى مسرح والكاميرا إلى شاهد على البطولة والموظف البسيط إلى كبش فداء أمام الجمهور ، تصبح المشكلة أكبر من مجرد لقطة عابرة؛ إنها أزمة في فهم معنى المسؤولية.

هناك مسؤول يعمل ليحل المشكلة وآخر قد ينشغل بأن يظهر للناس وهو يحلها… الأول تترك قراراته أثرًا على الأرض والثاني قد تترك لقطته أثرًا على مواقع التواصل،

وبين إنجاز يُرى في الواقع ولقطة تُستهلك على الترند تضيع أحيانًا كرامة موظف بسيط لم يُمنح حتى فرصة أن يُسمع صوته.

أصبحت الآن الكاميرا في كل هاتف وأصبح مقطع قصير قادرًا على صناعة بطل خلال دقائق ظهرت ظاهرة مؤسفة: مسؤولون قد ينشغلون بصناعة صورة “المسؤول الحازم” أكثر من انشغالهم بصناعة الحل الحقيقي.

يدخل المسؤول إلى موقع العمل وتفتح الكاميرات عدساتها وتبدأ الأسئلة الحادة وترتفع نبرة الصوت ثم تأتي التعليمات والتهديدات والإحالات بينما يقف الموظف البسيط مرتبكًا أمام جمهور لم يسمع منه كلمة واحدة.

 

تنتشر اللقطة ويشتعل الترند ويصفق البعض للمشهد.

لكن السؤال الحقيقي ليس: كم شخصًا شاهد الفيديو؟

السؤال هو: هل حُلَّت المشكلة؟ هل تحسنت الخدمة؟ هل عاد حق المواطن؟ هل عولج أصل الخلل؟ أم أن الكاميرا غادرت وبقيت المشكلة في مكانها وبقي الموظف وحده يدفع ثمن المشهد؟

نحن لا ندافع عن المقصر ومن يخطئ يجب أن يحاسب لكن هناك فرقًا كبيرًا بين المحاسبة والإهانة وبين الحزم والاستعراض.

الموظف البسيط ليس دائمًا صاحب القرار وقد يعمل وسط نقص في الإمكانات وضغط العمل وتكدس الملفات وتعقيدات إدارية لا يملك وحده تغييرها.

العدل لا يبحث عن الحلقة الأضعف ليعاقبها وإنما يبحث عن الحقيقة ليصلحها.

المسؤول الحقيقي لا يسأل فقط: “من أخطأ؟” بل يسأل: لماذا حدث الخطأ؟ وهل هناك خلل في المنظومة؟ وهل يملك الموظف الإمكانات والصلاحيات اللازمة؟

أما أن نبحث عن موظف نقف أمامه ونرفع أصواتنا عليه ثم نصنع من المشهد بطولة إعلامية فهذه قد تصنع فيديو ناجحًا لكنها لا تصنع إدارة ناجحة.

الترند ليس إنجازًا والتصوير ليس إصلاحًا والصوت المرتفع ليس هيبة وإحراج الموظف أمام الناس ليس حزمًا.

القوة الحقيقية أن تحاسب دون أن تظلم وأن تكون حازمًا دون أن تهين وأن تعمل حتى عندما لا توجد كاميرا واحدة في المكان.

فالدولة لا تُبنى باللقطات ولا تُدار بالترند وإنما تُبنى بالعمل والقانون والعدل والنتائج التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

أيها المسؤول…

لا تجعل الكاميرا بوصلتك.

لا تجعل الموظف الحلقة الأسهل في سلسلة طويلة من الأخطاء. 

وإذا كان هناك مقصر فليحاسب وفق القانون وإذا كانت هناك منظومة بها خلل فأصلح المنظومة.

دع إنجازك يتحدث عنك.

دع المواطن يقول إنك أنصفته ودع الموظف يقول إنك حاسبته بعدل ولم تظلمه.

فالناس لا تعيش داخل الفيديوهات، الناس تعيش داخل الواقع وقد تحقق لقطة ملايين المشاهدات لكنها لا تصلح طريقًا ولا تنهي طابورًا ولا تعالج نقصًا ولا تعيد حق مواطن.

ولهذا يجب أن نفرق بين هيبة الدولة وهيبة الأشخاص…

هيبة الدولة تأتي من القانون والعدل والانضباط واحترام الإنسان لا من الصراخ أمام الكاميرات.

وفي النهاية.. قد تخدع اللقطة عين المشاهد لكنها لا تستطيع أن تخدع الواقع.

الترند ينتهي والفيديو يُنسى أما أثر الظلم فيبقى وأثر الإنجاز الحقيقي يبقى في حياة الناس.

لا نريد مسؤولًا يرفع صوته أمام موظف.

نريد مسؤولًا يرفع كفاءة مؤسسة.

لا نريد مسؤولًا يصنع بطولة من خطأ موظف.

نريد مسؤولًا يصنع منظومة تمنع الخطأ.

لا نريد مسؤولًا يطارد الترند.

نريد مسؤولًا يطارد الفساد والإهمال وأوجاع الناس.

أطفئوا الكاميرات قليلًا… واتركوا المسؤول يعمل.

 

الدولة تحتاج إلى مسؤول يعرف أن المنصب تكليف وأمانة ومسؤولية لا شهرة واستعراضًا.

الدولة يعمرها من يعمل عندما تنطفئ الكاميرات.

ومن ينصف عندما لا يراه أحد.

ومن يحاسب بعدل.

ومن يصلح بصمت.

تلك هي المسؤولية الحقيقية… 

وما عداها مجرد لقطة.

مقالات ذات صلة