محمود السنكري يكتب: حين تصبح مميزاتك عيوبًا… لأنك في المكان الخطأ

ماذا لو لم تكن المشكلة فيك أصلًا؟
ماذا لو كنت أفضل مما تظن لكنك أمضيت وقتًا طويلًا في المكان الذي جعلك تشك في ذلك؟
لا يهم كم أنت جيد إذا كنت في المكان الخطأ.
فالمكان الخطأ لا يكتفي بألا يقدّر قيمتك بل قد يجعلك تشك في القيمة التي كنت تعرفها عن نفسك.
هناك قد يصبح صدقك هجوماً وهدوؤك خضوع وصراحتك عيبًا وعمقك تعقيدًا وطموحك غرورًا، ليس لأنك تغيرت ولكن لأنك محاط بأشخاص لا يرون الأشياء بالعين التي تراها أنت.
قد تكون عميقًا في بيئة لا تعرف سوى السطح فتبدو أفكارك غريبة ومشاعرك مبالغًا فيها وكلماتك أكبر من أن تجد طريقها إلى قلوب اعتادت المرور سريعًا فوق كل شيء.
وقد تكون مخلصًا بين أشخاص لا يعرفون معنى الوفاء فتمنحهم قلبك فيتعاملون معه كأنه أمر عادي وتقف إلى جوارهم حين يحتاجونك ثم ينسون أنك كنت هناك عندما غاب الجميع.
وقد تكون موهوبًا في مكان لا يمنح الموهبة فرصة فتعمل وتتعب وتحاول ثم لا تحصل إلا على الصمت.
وهنا يبدأ أخطر ما في الحكاية…أن تصدق ما يقوله المكان عنك.
تنسى من كنت قبل أن تدخله وتتوقف عن رؤية نقاط قوتك وتبدأ في عدّ عيوبك فتخفض سقف أحلامك وتعتذر عن اختلافك وتراقب كلماتك وتخفي أفكارك وتحاول أن تصبح نسخة مقبولة من شخص لا يشبهك.
وهنا تخسر… ليس لأنهم انتصروا عليك بل لأنك بدأت تهزم نفسك نيابةً عنهم.
فلا تفعل ذلك… لا تجعل مكانًا ضيقًا يقنعك بأنك صغير ولا تجعل أشخاصًا محدودي الرؤية يقنعونك بأنك بلا قيمة ولا تجعل بابًا مغلقًا يجعلك تكره الطريق كله ، فليس كل رفض دليلًا على أنك لا تستحق وليس كل فشل نهاية وليس كل خسارة عقابًا.
أحيانًا تكون بعض الخسارات إنقاذًا وأحيانًا يكون الرحيل أكثر شجاعة من البقاء.
وهناك فرق كبير بين أن تطوّر نفسك لأنك تريد أن تصبح أفضل، وبين أن تغيّر نفسك لأن المكان الذي أنت فيه لا يحتمل حقيقتك.
الأولى نضج… والثانية استنزاف.
لذلك لا تقضِ سنوات عمرك في محاولة إثبات نفسك لمن لا يريد أن يراك ولا تشرح قيمتك كل يوم ولا تبرر طيبتك ولا تدافع عن إخلاصك ولا تجعل حياتك كلها محكمة مفتوحة وأنت المتهم فيها والآخرون هم القضاة.
اذهب إلى المكان الذي لا تحتاج فيه إلى محاكمة نفسك كي تحصل على القبول.
اذهب إلى حيث يُحترم اختلافك وتُقدّر موهبتك ويُفهم صمتك ويُحفظ ودك ويُنظر إلى حضورك باعتباره إضافة لا عبئًا.
فالمكان الصحيح لا يجعلك تتساءل كل ليلة: ما الذي ينقصني؟
بل يجعلك تقول بثقة: هنا أستطيع أن أكون نفسي.
وتذكّر…
ليست مهمتك أن تجعل الجميع يعرفون قيمتك فبعض الناس لن يعرفوا قيمتك ولو وقفت أمامهم بكل ما فيك من صدق ونبل وموهبة.
ولا بأس… ليس كل من مرّ في حياتك مؤهلًا لأن يعرفك حق المعرفة ولا كل مكان جديرًا بأن يشهد على أفضل ما فيك.
فإذا وجدت نفسك تنطفئ يومًا بعد يوم وتشك في قدراتك وتعتذر عن حقيقتك فتوقف قليلًا واسأل نفسك:
هل المشكلة فيّ… أم أنني فقط في المكان الخطأ؟
فليس كل مكان يستحق أفضل ما فيك وليس كل من حولك قادرًا على رؤية قيمتك ولا تهدر عمرك في محاولة إقناع من اختار ألا يراك ولا تصغّر نفسك لتناسب مكانًا ضيقًا عليك.
ارحل حين يصبح بقاؤك خيانة لنفسك وابحث عن المكان الذي لا تحتاج فيه إلى إثبات أنك تستحق؛ مكان يكفي فيه أن تكون أنت فتُرى وتُفهم وتُقدّر.
فربما لم تكن المشكلة يومًا أنك لم تكن جيدًا بما يكفي…
ربما كنت فقط في المكان الذي جعل أفضل ما فيك يبدو كأنه عيب.



