المقالات والسياسه والادب

محمود السنكري يكتب: ملكية الشعب

محمود السنكري يكتب: ملكية الشعب

 

الوطن ملك لشعبه.. هذه ليست جملة تُقال للشعارات وإنما حقيقة يجب أن تكون أساسًا لفهم الدولة والسلطة والمسؤولية.

فالوطن ليس ملكًا لحاكم ولا لمسؤول ولا لحزب ولا لجماعة ولا لفئة ترى نفسها فوق الناس.

بل الوطن أكبر من الأشخاص وأبقى من المناصب وأغلى من أي سلطة. والأرض التي يعيش عليها الشعب والثروات التي تخرج منها والمؤسسات التي تُقام لخدمته والموارد التي تقوم عليها حياته ومستقبل أبنائه ليست ملكًا خاصًا لأحد وإنما أمانة تتوارثها الأجيال.

 

ومن هنا تبدأ القاعدة الأهم:

من يتولى مسؤولية الوطن ليس مالكًا له وإنما مؤتمن عليه.

الحاكم لا يملك وطنًا لأنه وصل إلى الحكم والمسؤول لا يملك مؤسسة لأنه جلس على كرسيها والموظف لا يملك مرفقًا عامًا لأنه أصبح مسؤولًا عنه.

المنصب تكليف وليس تشريفًا…

والسلطة وسيلة لخدمة الناس وليست وسيلة للسيطرة عليهم أو إذلالهم أو تحقيق المصالح الشخصية.

وأخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن هو أن تتحول المسؤولية إلى شعور بالملكية فيتعامل صاحب المنصب مع موقعه وكأنه ملك خاص ومع المواطنين وكأنهم تابعون له ومع المال العام وكأنه مال بلا صاحب.

هنا يبدأ الخطر الحقيقي…

فحين تتحول المسؤولية إلى نفوذ ويتحول النفوذ إلى سلطة بلا رقابة تصبح الأبواب مفتوحة أمام الواسطة والمحسوبية والفساد ويبدأ المواطن في فقدان ثقته في المؤسسات.

ولهذا فإن حماية الوطن لا تعني فقط حماية حدوده وإنما تعني أيضًا حماية حقوق أبنائه وصيانة أمواله واحترام كرامة مواطنيه وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

فلا يوجد وطن قوي إذا كان المواطن يشعر أنه بلا قيمة ولا توجد دولة عادلة إذا كان القانون قويًا على الضعيف وضعيفًا أمام القوي ولا توجد دولة مستقرة إذا أصبح الوصول إلى الحق مرتبطًا بالواسطة أو النفوذ أو العلاقات الشخصية.

المواطن ليس ضيفًا على وطنه. هو جزء منه وصاحب حق فيه وعليه في الوقت نفسه واجبات تجاهه.

ومن حقه أن يسأل وأن يعرف وأن يطالب بحقه وأن يرفض الخطأ وأن ينتقد أداء المسؤول دون أن يُتهم بأنه ضد الوطن.

فحب الوطن لا يعني الصمت عن الخطأ.

والاعتراض على الخطأ لا يعني كراهية الوطن.

وكشف الفساد لا يعني هدم الدولة.

بل إن المواطن الذي يحافظ على المال العام ويرفض الظلم ويطالب بالإصلاح ويحترم القانون ويدافع عن حقه وحق غيره هو شريك حقيقي في بناء وطنه.

لكن ملكية الشعب للوطن لا تعني الفوضى.

فكما أن للمواطن حقوقًا عليه واجبات. وكما يطالب الدولة باحترام القانون عليه أن يحترم القانون. وكما يرفض الاعتداء على ماله الخاص يجب أن يرفض الاعتداء على المال العام. وكما يريد أن تحمي الدولة حقوقه عليه أن يحترم حقوق الآخرين.

الوطن ملك للجميع ولذلك فإن مسؤوليته أيضًا مسؤولية الجميع.

والثروات الوطنية ليست غنيمة لمن يصل إلى السلطة.

والمؤسسات العامة ليست إقطاعيات شخصية.

والوظائف العامة ليست مكافآت للأصدقاء والمقربين.

والمناصب ليست وسيلة لصناعة التابعين.

كل ذلك يجب أن يخضع لمعيار واحد:

مصلحة الوطن والشعب.

ومن هنا تأتي أهمية المحاسبة.

فلا أحد فوق القانون مهما كان منصبه أو نفوذه أو مكانته.

والمحاسبة ليست إهانة للمسؤول وإنما حماية للدولة وحماية للمسؤول الشريف أيضًا.

فالمسؤول الذي يعمل بضمير لا يخاف من السؤال ولا يخشى المراجعة ولا يعتبر النقد إهانة لأنه يعرف أن موقعه أمانة وأن قراراته يجب أن تكون قابلة للتقييم والمساءلة.

أما أن يصبح المسؤول فوق السؤال والنقد والمراجعة فهذه بداية خطيرة لأن السلطة التي لا تجد أمامها رقابة قد تنسى أنها جاءت لخدمة الناس.

ولا ينبغي أن يكون معيار نجاح المسؤول عدد الموالين له ولا عدد الذين يصفقون له ولا كثرة من يمدحونه.

المعيار الحقيقي هو ما الذي قدمه للناس.

هل حف المال العام؟

هل احترم القانون؟

هل أنصف المظلوم؟

هل أعطى صاحب الحق حقه؟

هل وضع الكفاءة فوق الواسطة؟

هل خدم الناس دون تمييز؟

هل ترك المكان الذي تولى مسؤوليته أفضل مما كان عليه؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة.

فالمناصب تذهب والأسماء تتغير والسلطة لا تدوم لأحد لكن الوطن يبقى.

ولهذا فإن من أخطر الأخطاء أن نربط الوطن بشخص أو الدولة بمسؤول أو مستقبل المجتمع بوجود فرد.

الوطن ليس شخصًا والدولة ليست مسؤولًا والسلطة ليست ملكية شخصية.

الأشخاص زائلون أما الأوطان فتبقى..

ومن حق كل جيل أن يعيش في وطن يحفظ كرامته ومن واجبه أن يترك هذا الوطن للأجيال القادمة أكثر قوة وعدلًا واستقرارًا.

وهذا لا يتحقق بالشعارات وحدها وإنما يتحقق عندما يصبح القانون فوق الجميع والكفاءة أهم من الواسطة والأمانة أهم من المصلحة وخدمة الناس أهم من البحث عن النفوذ.

ويتحقق أيضًا عندما يفهم كل مسؤول أن الكرسي الذي يجلس عليه ليس ملكًا له وأن الموقع الذي وصل إليه ليس حقًا أبديًا وأنه سيتركه يومًا ما.

ويبقى السؤال:

ماذا ترك خلفه؟

هل ترك مؤسسة أقوى؟

هل ترك حقًا محفوظًا؟

هل ترك أثرًا طيبًا؟

أم ترك وراءه مشكلات وصراعات وحقوقًا ضائعة؟

هذه هي قيمة المسؤول الحقيقية.

فالكرسي لا يصنع قيمة الإنسان وإنما الإنسان هو الذي يصنع قيمة الكرسي.

ولا ينبغي أن تكون هيبة الدولة مرتبطة بهيبة الأشخاص فالدولة تُحترم بالقانون والمؤسسات تُحترم بأدائها والمسؤول يُحترم بما يقدمه.

ولا أحد يملك الوطن…

نحن نعيش فيه ونبنيه ونحميه ونحمل مسؤوليته.

الحاكم يحكم وفق القانون والمسؤول يعمل لخدمة المجتمع والمواطن يشارك في البناء والحماية وكل منهم له دور وحدود وواجبات.

وحين يفهم الجميع هذه الحقيقة يصبح الوطن أكبر من الصراعات الشخصية وأقوى من أصحاب المصالح وأبقى من كل سلطة.

إن ملكية الشعب للوطن تعني أن الوطن ليس مزرعة خاصة لأحد ولا مؤسسة شخصية لمسؤول ولا ملكًا لجماعة ولا إرثًا لفئة.

إنه البيت الكبير الذي يجمع الجميع..

ومن حق صاحب هذا البيت أن يعرف كيف تُدار شؤونه وكيف تُحفظ أمواله وكيف تُصان كرامته وكيف تُحمى حقوقه وكيف يُصنع مستقبله.

ولهذا لا نحتاج إلى مسؤول يرى نفسه مالكًا للناس بل إلى مسؤول يرى نفسه خادمًا لهم.

ولا نحتاج إلى مواطن يصفق لكل شيء بل إلى مواطن واعٍ يعرف حقوقه وواجباته.

ولا نحتاج إلى دولة تقوم على الخوف بل إلى دولة تقوم على القانون والعدل.

فالسلطة أمانة والمال العام أمانة والمنصب أمانة وحقوق الناس أمانة والأجيال القادمة أمانة.

ومن خان هذه الأمانة فقد أساء إلى وطن لا يملكه أحد وإنما يحمله الجميع في أعناقهم.

وفي النهاية يجب أن تبقى الحقيقة واضحة مهما تغيرت الحكومات والقيادات والأنظمة:

الأوطان لا تُورث للأشخاص ولا تُختصر في الحكام ولا تُمتلك بالمناصب.

الأوطان ملك شعوبها ومن يتولى مسؤوليتها ليس مالكًا لها بل مؤتمنًا عليها.

وهذه الأمانة لا تُقاس بالكلام ولا بالشعارات ولا بالتصفيق.

بل بما نتركه خلفنا من عدل وكرامة وأمانة.

مقالات ذات صلة