مشيتُ كثيرًا، حتى نسيتُ كيف يكونُ الوقوف. كلُّ الطرقِ التي عبرتُها، كانت تشبه بعضها... متاهاتٌ من وجوهٍ راحلة، وأحلامٍ مبتورة. لم أعد أذكرُ كم محطةٍ ودّعتُ، ولا كم مرةٍ لوّحتُ للقادمين ثم ندمت. كلّ مشوارٍ قطعته، سرق منّي شيئًا... ضحكةً، ذكرى، أو حتى جزءًا من قلبي. المشاوير ليست أقدامًا تسير، بل أرواحٌ تتبعثر، وما أصعب أن تُكمل الطريق وأنتَ مثقوبٌ من الداخل، تتفتّت مع كلّ خطوة. كلّ من أحببتهم، عبروا كأنهم عابرو سبيل، لم يجلسوا في قلبي طويلًا، ولم يتركوا سوى الغبار. صرتُ أحتفظُ بظلّهم فقط، كأنني أعيشُ في محطّاتِ وداعٍ لا تنتهي. وها أنا الآن… أكمل الطريق، لا لشيء، بل لأنّ التوقّف صار موتًا من نوعٍ آخر. ما عدتُ أُحصي عدد الطرق التي سرتُ فيها، ولا الوجوه التي صافحتني ثم غابت، ولا الحقائب التي حزمتها على عَجل، لأرحل... دون أن ألتفت. كأنني أُولد في كلّ صباح من وجعٍ جديد، وكأنني لم أعرف من هذه الحياة سوى الوداع المؤجل، والخطى التي تسير بي نحو المجهول، ثم تُعيدني إلى ذات النقطة... ولكن أكثر خيبة. المشاوير كثيرة، وكلّ طريقٍ مشيته ظننتُه الأخير، لكن الطرق كانت أذكى من قلبي، تُغريني بالبداية، ثم تتركني في منتصف التيه. أحيانًا أشعر أنّني مجرّد ظلٍّ يتنقّل بين الأرصفة، لا بيت لي، لا حضن، لا ملامح ثابتة. أُشبه أغنية حزينة تُعاد في رأسي كلما سكتَ العالم. أُشبه «مش وار» طويل... لا أحد ينتظرني في نهايته