المقالات والسياسه والادب

‏مَنْ يَجْمَعُ الدُّمُوعَ الَّتِي لَمْ تَسْقُطْ؟

الكاتبة إيمان نجار

‏مَنْ يَجْمَعُ الدُّمُوعَ الَّتِي لَمْ تَسْقُطْ؟

‏هل فكَّرتَ يومًا أنَّ بعضَ الدموعِ لا تجدُ طريقًا إلى الخارج…فتعودُ إلى الداخل، وتبني هناكَ غرفةً صغيرةً لا يدخلُها أحد؟

‏هُناكَ دموعٌ لم تكن تحتاجُ إلى منديلٍ يمسحُها، بل إلى قلبٍ يلاحظُ أنَّها كانت تقفُ خلفَ العينِ وتنتظرُ إذنَ الرحيل.

‏بعضُ الدموعِ لا تسقطُ لأنَّ صاحبَها لم يكن ضعيفًا بما يكفي ليبكي…بل لأنَّهُ كان قويًّا أكثرَ ممَّا ينبغي.

‏كان يبتلعُ وجعَه كما تُبتلعُ الرسائلُ التي نخافُ أن نرسلَها، ويضعُ فوقَ انكسارهِ ابتسامةً مُرتَّبة، كأنَّهُ يُعيدُ ترتيبَ غرفةٍ بعد عاصفةٍ دخلها الجميعُ ولم يرَها أحد.

‏في داخلِ كلِّ إنسانٍ أرشيفٌ سرِّيّ، لا يخافُ أن يراهُ الآخرون…بل يخافُ أن يفتحَهُ هو، فيكتشفَ كم كان وحيدًا في الصفحاتِ التي كتبَها بدموعٍ لم يقرأْها أحد.

‏ملفَّاتٌ لأحزانٍ لم تُروَ،وصورٌ للحظاتٍ ابتلعَ فيها صوتَه،وشهاداتٌ صامتةٌ على معاركَ خاضَها وحدَه.

‏هل تملكُ الدموعُ التي لم تسقط تاريخًا سرِّيًّا؟وهل تحفظُ الأيامَ التي مرّتْ بها ولم يلحظْها أحد؟

‏رُبَّما لا تضيعُ الدموعُ التي لم تسقط…

‏رُبَّما تُحفَظُ في مكانٍ أعمقَ من الذاكرة، كأنَّ الرُّوحَ تملكُ مستودعًا صغيرًا للأشياءِ التي عجزَ العالمُ عن رؤيتها.

‏لكن…

‏مَنْ يجمعُ تلكَ الدموعَ حينَ نعودُ إلى وحدتِنا؟

‏مَنْ يمسحُ أثرَ معاركَ لم تُلتقطْ لها صورة؟

‏مَنْ يُخبرُ ذلكَ الإنسانَ الذي أمضى عمرَهُ يُقنعُ الجميعَ أنَّهُ بخير…أنَّ أحدًا كان يجبُ أن يسألَهُ مرَّةً واحدةً فقط: كيف أنتَ حقًّا؟

‏فربَّما ليس أصعبَ ما في الحزنِ أن نبكي…

‏بل أن نحملَ دمعةً كاملةً، تختصرُ حكايةَ عمرٍ كامل، ثم نُجبرَها على العودةِ إلى صمتِها لأنَّ الوقتَ لم يكن رحيمًا بما يكفي.

‏وربَّما…هناكَ في مكانٍ لا نعرفُه، مَنْ يجمعُ كلَّ الدموعِ التي لم تسقط، ويرتِّبُها مثلَ رسائلَ مؤجَّلة، كتبَ أصحابُها أسماءَهم عليها… لكنَّهم لم يجدوا مَنْ يفتحُها.

‏لذلك…

‏لا تظنَّ أنَّ الوجوهَ الهادئةَ بلا عواصف…

‏فبعضُ البشرِ يمشونَ بيننا بسماءٍ مغلقة؛ لا لأنَّ الغيومَ غادرتهم، بل لأنَّهم تعلَّموا كيف يُخفونَ موسمَ المطرِ الذي يحدثُ داخلَهم.

مقالات ذات صلة