هل فكَّرتَ يومًا أنَّ بعضَ الدموعِ لا تجدُ طريقًا إلى الخارج…فتعودُ إلى الداخل، وتبني هناكَ غرفةً صغيرةً لا يدخلُها أحد؟
هُناكَ دموعٌ لم تكن تحتاجُ إلى منديلٍ يمسحُها، بل إلى قلبٍ يلاحظُ أنَّها كانت تقفُ خلفَ العينِ وتنتظرُ إذنَ الرحيل.
بعضُ الدموعِ لا تسقطُ لأنَّ صاحبَها لم يكن ضعيفًا بما يكفي ليبكي…بل لأنَّهُ كان قويًّا أكثرَ ممَّا ينبغي.
كان يبتلعُ وجعَه كما تُبتلعُ الرسائلُ التي نخافُ أن نرسلَها، ويضعُ فوقَ انكسارهِ ابتسامةً مُرتَّبة، كأنَّهُ يُعيدُ ترتيبَ غرفةٍ بعد عاصفةٍ دخلها الجميعُ ولم يرَها أحد.
في داخلِ كلِّ إنسانٍ أرشيفٌ سرِّيّ، لا يخافُ أن يراهُ الآخرون…بل يخافُ أن يفتحَهُ هو، فيكتشفَ كم كان وحيدًا في الصفحاتِ التي كتبَها بدموعٍ لم يقرأْها أحد.
ملفَّاتٌ لأحزانٍ لم تُروَ،وصورٌ للحظاتٍ ابتلعَ فيها صوتَه،وشهاداتٌ صامتةٌ على معاركَ خاضَها وحدَه.
هل تملكُ الدموعُ التي لم تسقط تاريخًا سرِّيًّا؟وهل تحفظُ الأيامَ التي مرّتْ بها ولم يلحظْها أحد؟
رُبَّما لا تضيعُ الدموعُ التي لم تسقط…
رُبَّما تُحفَظُ في مكانٍ أعمقَ من الذاكرة، كأنَّ الرُّوحَ تملكُ مستودعًا صغيرًا للأشياءِ التي عجزَ العالمُ عن رؤيتها.
لكن…
مَنْ يجمعُ تلكَ الدموعَ حينَ نعودُ إلى وحدتِنا؟
مَنْ يمسحُ أثرَ معاركَ لم تُلتقطْ لها صورة؟
مَنْ يُخبرُ ذلكَ الإنسانَ الذي أمضى عمرَهُ يُقنعُ الجميعَ أنَّهُ بخير…أنَّ أحدًا كان يجبُ أن يسألَهُ مرَّةً واحدةً فقط: كيف أنتَ حقًّا؟
فربَّما ليس أصعبَ ما في الحزنِ أن نبكي…
بل أن نحملَ دمعةً كاملةً، تختصرُ حكايةَ عمرٍ كامل، ثم نُجبرَها على العودةِ إلى صمتِها لأنَّ الوقتَ لم يكن رحيمًا بما يكفي.
وربَّما…هناكَ في مكانٍ لا نعرفُه، مَنْ يجمعُ كلَّ الدموعِ التي لم تسقط، ويرتِّبُها مثلَ رسائلَ مؤجَّلة، كتبَ أصحابُها أسماءَهم عليها… لكنَّهم لم يجدوا مَنْ يفتحُها.
لذلك…
لا تظنَّ أنَّ الوجوهَ الهادئةَ بلا عواصف…
فبعضُ البشرِ يمشونَ بيننا بسماءٍ مغلقة؛ لا لأنَّ الغيومَ غادرتهم، بل لأنَّهم تعلَّموا كيف يُخفونَ موسمَ المطرِ الذي يحدثُ داخلَهم.