المقالات والسياسه والادب

هذا النص قد يلامس جرحك الدفين

 

 

بقلم: الأستاذ محمد بايزيد

 

 “” نضجنا بالحزن لا بالعمر “”

 

لم أكن أفهم معنى الموت…

 

كنت طفلًا في الرابعة حين رحلت زوجة عمي بعد مرض طويل.

 

اكتظّ بيتنا بالناس،

وكنت أعدّ وجوههم بفرح كأنها مناسبة سعيدة.

 

أمسكت يد أختي،

ركضنا نحو أولاد عمي نخبرهم ببراءة:

– هيا، الجميع في بيتنا!

 

لم نكن نعرف أننا نحمل لهم خبرًا سيتيتمون به إلى الأبد.

 

مرت السنون…

وكبرنا…

وكبر معنا شيء آخر،

شيء اسمه الإحساس.

 

بعد اثني عشر عامًا، مرضت ابنة عمي،

ابنة تلك الراحلة الأولى.

 

كان رمضان يومها.

سبقتني أختي إلى زيارتها في المستشفى،

ولما رأيتها عائدة قبل أن أصل، سألتها:

– لماذا عدتِ؟

 

قالت بصوت مبحوح، وكأنها تلقي بي في بئر بلا قاع:

– ماتت.

 

لأول مرة شعرت بالفراغ الحقيقي.

 

تماسكت لأني “رجل”،

لكن قلبي كان يتفتت.

 

وعندما أخبرنا عمي – الأصم الأبكم – بالإشارة أن ابنته الوحيدة ماتت،

رأيته يسقط على الحائط،

يضربه بكل ما تبقى له من قوة،

يصرخ صراخًا صامتًا يشقّ القلوب.

 

عندها انهار كل من في البيت،

جثونا على الأرض،

وبكى الكبار قبل الصغار.

 

منذ ذلك اليوم…

صار الحزن مقيمًا في بيتنا.

 

رحل جدي،

ثم عمي،

ثم جدتي…

وكأن الموت صار يعرف العنوان.

 

لكن أقسى الفقد كان يوم رحلت أمي.

 

كنت قد تجاوزت الأربعين،

لديّ أولاد وبيت،

ومع ذلك شعرت أني عدت طفلًا صغيرًا يبحث عن حضنها فلا يجده.

 

أي موت كموت الأم؟!

 

إنه يتمّ الكبار،

وجوع الروح،

وغربة العالم كلّه في لحظة واحدة.

 

مرت سنوات،

ولا يزال جرحها نازفًا لا يندمل.

 

ربما لأني فقدتها،

وربما لأني أتذكر كل قسوة عانتْها ولم أستطع أن أحميها منها.

 

اليوم أدركت أن الموت ليس عدوّنا،

بل هو المعلم الأكثر قسوة.

 

كل مرة يأخذ منا شخصًا،

يترك فينا درسًا جديدًا:

في الصبر،

في الحنين،

في هشاشتنا كبشر.

 

وكلما كبرنا،

كبر الألم فينا،

وصغر الفرح حتى صار زائرًا نادرًا…

يذكّرنا فقط أننا ما زلنا أحياء.

 

وربما،

فقط ربما…

حين يحين دورنا ونغادر،

نفهم أخيرًا أن كل هذا الحزن كان طريقًا يقودنا

إلى حيث لا يوجد حزن بعد الآن.

 

 

مقالات ذات صلة