الروح ليست جسدًا تخاط جراحه بإبرة ولا قلبًا تصلحه يد طبيب إنها عالم خفي يحمل آثار كل كلمة وكل وداع وكل حلم لم يكتمل، السؤال الذي يطرح نفسه هل تشفى الروح حقًا أم أنها لا تفعل سوى الاعتياد على الألم يقال إن الزمن يشفي كل شيء لكن الحقيقة أن الزمن لا يمحو الندوب بل يعلمنا كيف نعيش معها فالجراح التي تصيب الروح لا تختفي وإنما تتحول إلى جزء من ذاكرتنا وإلى دروس تنضج بها أرواحنا قد يخف الوجع وقد تتوقف الدموع لكن بعض المواقف تظل قادرة على إيقاظ الألم بمجرد مرورها في الخاطر ومع ذلك فإن اعتياد الروح على جراحها ليس هزيمة بل قدرة عجيبة على الاستمرار فالإنسان لا ينسى دائمًا لكنه يتعلم أن يبتسم رغم ما فقد وأن يواصل طريقه رغم ما انكسر فيه وهنا تكمن قوة الروح فهي لا تنتظر أن يختفي الألم حتى تعيش بل تصنع من الألم بداية جديدة لعل الروح لا تشفى كما تشفى الأجساد لكنها تنمو وتتغير وتصبح أكثر حكمة ورحمة وما نظنه شفاء قد يكون في الحقيقة سلامًا داخليًا يجعل الذكريات أقل قسوة والجراح أقل قدرة على إيقاف الحياة
كما أن الذكريات لا تملك سلطة علينا إلا بقدر ما نمنحها نحن من مقاومة إنها ليست سجنا نعاقب فيه بل هي التضاريس التي صقلت وعينا الراهن ورسمت ملامح أرواحنا حين تتكرر العثرات في مساراتنا فهي لا تأتي صدفة بل كطرقات ملحة على جدار الغفلة لتنبهنا إلى مساحات في ذواتنا لم نكتشفها بعد وعندما نصل إلى تلك اليقظة التي أسميتها التذكر دون تأثر نكون قد أعلنا التصالح الأعظم مع الماضي فلم نعد بحاجة إلى ممحاة النسيان الزائفة بل إلى أجنحة التجاوز الحقيقية تؤثر الذكريات في حياتنا بقدر رغبتنا في إنكارها أو الهروب منها فإن تصالحنا معها كجزء غير قابل للتجزئة من حكايتنا تحولت من قيد يدمي الحاضر إلى بوصلة ترشد المستقبل تسير خلفنا كظل هادئ مرئي لا أمامنا كعائق يحجب النور قد نتيه في طرق وعرة ونشعر بضياع لكن لا أرى ان الضياع ليس غاية بحد ذاته بل هو منعطف قد يبدو في لحظته وكأنه نهاية الطريق لكنه في كثير من الاحيان بداية سؤال لم يكن ليطرح لولا ذلك التيه فالانسان حين يفقد يقينه المؤقت يجبر على أن يفتش في اعماقه عن يقين اصدق لذلك اعتقد أن الضياع ليس ما تخلق التحديات من اجله وانما هو احدى المحطات التي قد تقود الى الوعي أن لم يستسلم لها صاحبها اما اذا طال المقام في الضياع حتى صار الانسان يعرف نفسه من خلاله فانه يتحول من مرحلة عابرة الى قيد جديد وتعود الذكريات لتقود الحاضر بدل أن تكون مجرد شاهد عليه لعل الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك ان الماضي جزء من حكايتنا لكنه ليس الكاتب الوحيد لفصولها القادمة
غير أن إسدال الستار لا يعني بالضرورة نهاية الحكاية، بل قد يكون إعلانًا عن فصل آخر لم يجرؤ صاحبه على قراءته بعد فالإنسان، مهما أوغل في الضياع، يحمل في داخله قدرة كامنة على إعادة ترتيب فوضاه متى ما أدرك أن الخلاص لا يكمن في الفرار، وإنما في مواجهة ذاته بما فيها من هشاشة وتناقضات وما يبدو انهيارًا في أعيننا قد يكون في حقيقته لحظة إعادة تشكل، تتساقط فيها الأقنعة لتظهر الملامح الأولى للوعي فليس كل سقوط هزيمة، كما أن ليس كل صمود انتصارًا وإنما تُقاس الرحلة بما تتركه في النفس من بصيرة، لا بما تستنزفه من وقت أو ألم وعندما يوقن المرء أن الطريق لم يكن عدوه، وأن التيه لم يكن سوى مرآة تعكس ما كان يغفل عنه، يدرك أن النجاة لم تكن في بلوغ النهاية، بل في أن يعود إلى نفسه إنسانًا أكثر فهمًا واتزانًا و هذا هو ديدن الحياة قطار لا يتوقف في محطات المترددين ونهر يتدفق بجرأة ليطوي تحت أمواجه كل لحظة نتردد في عيشها، فالضياع في دهاليز الحيرة ليس سوى هدر لفرص النجاة التي لا تتكرر والوقت الذي ينساب من بين أصابعنا كحبات الرمل لا يملك ترف الاعتذار بل يمضي ليمهد الدرب لمن يملك شجاعة العبور، والحكمة هي ألا نمنح العاطفة العابرة عرش قلوبنا وألا ندع شعورا مؤقتا يسرق منا متسع العمر فالحياة ليست وقوفًا على الأطلال بل هي سعي دؤوب واجتياز مرن لعقبات تصنع منا أنفسًا ناضجة تفهم قوانين الوجود وتتقن العيش بوقار الحكمة لنعبر إذن بوعي ولنجعل من كل ثانية خطوة نحو النور تاركين خلفنا عتمة الحيرة التي لا تصنع وطنًا ولا تحمي عابرًا