المقالات والسياسه والادب

هل يطوي الزمن صفحات الجرائد

بقلم : محمود جاب الله

هل يطوي الزمن صفحات الجرائد

لم تنته عصر الصحافة الورقية بعد، وإن كان شكلها ووظيفتها قد تبدلا تماماً عما كانا عليه قبل عقدين. ما يحدث الآن ليس موتاً للورق، وإنما إعادة هيكلة داخل منظومة إعلامية صارت أسرع وأكثر تشعباً. فالخبر الذي كان حكراً على الصفحة الأولى صار يصل إلى القارئ في لحظته عبر الشاشة، لكن ذلك لم يلغ الحاجة إلى المطبوع الذي يمنح الخبر سياقه وتحليله ووزنه.
القارئ لا يزال يبحث عن المصداقية التي تمثلها الصحيفة الورقية. فالخبر المطبوع في جريدة بحجم الأهرام لا يعد مجرد معلومة عابرة، بل وثيقة مؤرخة وموقعة. وهو الأرشيف الذي لا يمكن حذفه بضغطة زر، والمرجع الذي يعود إليه الباحث والمسؤول وصانع القرار. كما أن هناك شريحة واسعة، خاصة من كبار السن والمثقفين، ما زالت تتمسك بطقس الصباح: فنجان القهوة والجريدة الورقية. هذه عادة ثقافية يصعب على الشاشة أن تحل محلها بالكامل.
لكن في المقابل، فرضت السرعة والتكلفة واقعاً جديداً. لم يعد من المنطقي أن تنتظر الجريدة حتى الصباح لتعلن خبراً حدث منتصف الليل. وهنا جاءت المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل لتقوم بدور “الكسر العاجل”، بينما تفرغت الصحافة الورقية لدورها الأصيل: التفسير والتحليل والرأي. الورق اليوم لم يعد سباق سرعة، بل سباق عمق.
التحدي الأكبر كان اقتصادياً. تكاليف الطباعة والتوزيع المرتفعة دفعت كثيراً من الصحف لتقليص عدد صفحاتها، والاستثمار في المقابل في منصاتها الرقمية. فصار النموذج الناجح هو النموذج المتكامل: خبر عاجل على الموقع، وتحقيق موسع في الورق، ونقاش مفتوح على السوشيال ميديا. الجريدة التي تصر على الورق وحده تخسر، كما أن التي تتخلى عن الورق تماماً تخسر هيبتها.

الخلاصة أننا لا نشهد نهاية الصحافة الورقية، بل نهاية احتكارها. الورق لم يعد الوسيلة الوحيدة، لكنه ظل الوسيلة الأكثر وقاراً. سيظل للمقال التحليلي مكانه على الصفحة الورقية، وسيظل التحقيق الاستقصائي يحترم أكثر حين يطبع بالحبر. المستقبل ليس لصحافة ضد أخرى، بل لصحافة تجمع بين سرعة الرقمي وعمق الورقي. وحينها فقط يمكن القول إن الصحافة لم تتراجع، بل نضجت.

مقالات ذات صلة