المقالات والسياسه والادب

وما زالت الحياة جميلة

نور شاكر

وما زالت الحياة جميلة

قد تمر على الإنسان أيام يثقلها التعب، وتمتلئ بالتحديات والهموم، فيشعر وكأن الحياة قد أغلقت أبوابها في وجهه، وأن الفرح أصبح بعيد المنال. وقد تأتيه المحن متتابعة، فيظن أن السعادة لن تعود، وأن الأيام الجميلة أصبحت جزءًا من الماضي. ولكن الحقيقة التي تؤكدها تجارب الحياة هي أن الجمال لا يغيب، وإنما قد تحجبه غيوم الألم لبعض الوقت. فالحياة، رغم ما تحمله من صعوبات وتقلبات، ما زالت جميلة، لأنها لا تتوقف عند لحظة حزن، ولا تستسلم لليأس، بل تمنح الإنسان في كل مرحلة فرصة جديدة ليبدأ من جديد، ويعيد ترتيب أحلامه، ويكتشف في داخله قوة لم يكن يعلم بوجودها.

إن جمال الحياة لا يكمن في خلوها من المشكلات، فالحياة التي لا تعرف التعب لا تعلم الإنسان قيمة الراحة، والتي لا تعرف الحزن لا تجعله يدرك معنى الفرح. وإنما يكمن جمالها في ذلك التوازن البديع الذي جعله الله فيها؛ فبعد كل ضيق يأتي الفرج، وبعد كل ليل يشرق الفجر، وبعد كل عاصفة تهدأ الرياح وتعود السماء صافية. ومن يتأمل سنن الحياة يدرك أن دوام الحال من المحال، وأن الأيام تتبدل كما تتعاقب الفصول، فلا يبقى الحزن إلى الأبد، كما لا يدوم الفرح دائمًا، وإنما تستمر الحياة في منح الإنسان دروسًا جديدة في الصبر والأمل والرضا.

ولعل أجمل ما في الحياة أنها تخبئ السعادة في أبسط تفاصيلها، تلك التفاصيل التي قد تمر أمامنا كل يوم دون أن نمنحها اهتمامًا. فكم في إشراقة شمس الصباح من رسالة تدعونا إلى التفاؤل، وكم في نسمة هواء عليلة من راحة للنفس، وكم في صوت المطر من سكينة تبعث الطمأنينة في القلب. كما أن ابتسامة طفل بريء، أو دعوة صادقة من أم، أو كلمة طيبة يقولها صديق في وقت الحاجة، قد تكون كفيلة بتغيير يوم كامل، وإحياء الأمل في نفس كانت تظن أن الفرح قد غادرها. إن هذه اللحظات الصغيرة هي التي تصنع جمال الحياة الحقيقي، لأنها تذكرنا بأن الخير ما زال حاضرًا، وأن الرحمة ما زالت تسكن قلوب الناس.

وليس الإيمان بجمال الحياة إنكارًا للألم أو تجاهلًا للواقع، بل هو إيمان بأن الألم مرحلة عابرة، وليس نهاية الطريق. فكل إنسان يمر بابتلاءات تختلف عن غيره، ولكن الله لا يبتلي عبدًا إلا وفي ذلك حكمة ورحمة، قد يدركها الإنسان بعد حين. وكم من محنة ظنها المرء نهاية أحلامه، فإذا بها تفتح له أبوابًا لم يكن يتخيلها، وكم من خسارة آلمته في البداية، ثم اكتشف مع مرور الأيام أنها كانت سببًا في خير أعظم. ولذلك فإن الإنسان المؤمن لا ينظر إلى المصاعب على أنها عقوبة، بل يراها فرصة للنمو، واختبارًا لقوة إيمانه، ووسيلة لاكتشاف ما يملكه من صبر وعزيمة.

وتعلمنا الحياة أيضًا أن الشدائد هي التي تصنع الشخصيات القوية، وأن الأيام الصعبة تكشف معادن الناس الحقيقية. ففي أوقات الرخاء قد تبدو الأمور سهلة، لكن في لحظات الضيق يظهر الصديق الوفي، ويتجلى الإنسان الكريم، ويعرف المرء حقيقة نفسه قبل أن يعرف حقيقة الآخرين. ومن رحم المعاناة تولد الخبرة، ومن قلب الألم يولد الأمل، ومن كثرة المحاولات يتكون النجاح. ولهذا فإن كثيرًا من أعظم الإنجازات في التاريخ لم تبدأ بالراحة، وإنما بدأت بصبر طويل، وإيمان لا يتزعزع، وإرادة رفضت الاستسلام.

كما أن جمال الحياة يرتبط بالطريقة التي ننظر بها إليها. فهناك من يرى في كل يوم فرصة جديدة للتعلم والعمل والعطاء، فيعيش سعيدًا بما لديه، ويشكر الله على نعمه، مهما كانت بسيطة. وهناك من ينشغل بما ينقصه، فيغفل عن النعم الكثيرة التي تحيط به. فالإنسان المتفائل لا يخلو طريقه من العقبات، لكنه يؤمن أن لكل مشكلة حلًا، ولكل ظلمة نورًا، ولكل تعب راحة قريبة. أما المتشائم، فإنه قد يعيش وسط النعم، لكنه لا يرى إلا ما فقده، فيحرم نفسه من متعة الحياة وسكينتها.

ولا يكتمل جمال الحياة إلا حين يشارك الإنسان هذا الجمال مع الآخرين. فالعطاء، والتسامح، ومساعدة المحتاج، ونشر الكلمة الطيبة، ورسم الابتسامة على وجوه الناس، كلها أعمال تمنح الحياة معنى أعمق، وتجعل صاحبها يشعر بسعادة لا يمكن أن يشتريها المال. فكل خير يقدمه الإنسان يعود إليه طمأنينة في قلبه، ومحبة في قلوب الناس، وأجرًا عند الله. ولهذا فإن أجمل الناس حياةً ليس أكثرهم مالًا، ولا أعلاهم مكانة، وإنما أكثرهم امتنانًا، وأصدقهم قلبًا، وأوسعهم رحمةً وإحسانًا.

وفي الختام، تبقى الحياة جميلة لأنها هبة من الله، ولأنها تمنح الإنسان في كل صباح فرصة جديدة ليصحح أخطاءه، ويجدد آماله، ويبدأ صفحة أكثر إشراقًا من سابقتها. فلا تجعل العثرات تحجب عنك جمال الطريق، ولا تسمح لليأس أن يسرق منك نعمة الأمل، ولا تظن أن لحظات الألم هي نهاية الحكاية، فلكل ليل فجر، ولكل شتاء ربيع، ولكل دمعة ابتسامة تنتظر موعدها. وما دامت الروح عامرة بالإيمان، والقلب مملوءًا بالرضا، والنفس مؤمنة بأن رحمة الله أوسع من كل ضيق، فإن الحياة ستظل جميلة مهما اشتدت ظروفها، وسيبقى الأمل نورًا يبدد العتمة، ويقود الإنسان إلى مستقبل يليق بصبره وثقته بربه.

مقالات ذات صلة