وَصِيَّتِي عِندَما أَموتُ داخِلَ قَلبِكَ لِلمَرَّةِ الأَخِيرَةِ، لا تُغلِقْ عَينَيَّ. اتْرُكْهُما مَفتوحَتَينِ قَليلًا… لَيسَ لِكَي أُبصِرَ العالَمَ مَرَّةً أَخِيرَةً، بَل لِكَي تَرَى كَيفَ يَموتُ الإِنسانُ واقِفًا عِندَ بابِ شَخصٍ أَحَبَّهُ أَكثَرَ مِمّا يَنبَغِي. إِذا وَصَلَتْكَ هذِهِ الكَلِماتُ يَومًا، فَلا تَفتَحْها كَرِسالَةِ عاشِقٍ تَأَخَّرَ فِي الاِعتِرافِ، بَلِ افتَحْها كَأَنَّكَ تُزيحُ آخِرَ حَجَرٍ عَن قَبرٍ نَسِيَ النّاسُ اسمَ صاحِبِهِ. قَد تَرَى الغُبارَ يَدورُ فِي الضَّوءِ… لَكِنْ لا تُصَدِّقْ أَنَّهُ غُبارٌ؛ تِلكَ بَقايا أَحلامِي بَعدَما تَهَشَّمَتْ مِن طُولِ الاِنتِظارِ. أَنا لا أَترُكُ لَكَ وَصِيَّتِي لِأَنَّنِي أَموتُ، بَل لِأَنَّ بَعضَ الغِيابِ لا يَأتِي فارِغًا؛ يَأتِي وَفِي يَدِهِ كُلُّ ما يَفعَلُهُ المَوتُ… ثُمَّ يَرحَلُ. وَحِينَ أَرحَلُ مِن قَلبِكَ نِهائِيًّا، لا تَبحَثْ عَنِّي فِي الصُّوَرِ القَدِيمَةِ. فَالصُّوَرُ لا تَكذِبُ… لَكِنَّها لا تَقولُ الحَقِيقَةَ كامِلَةً. كانَتْ تَحفَظُ الضَّوءَ جَيِّدًا، وَتَترُكُ الخَرابَ خارِجَ الإِطارِ. لَم تَكُن تَلتَقِطُ تِلكَ الشَّجَرَةَ السَّوداءَ الَّتِي كانَتْ تَكبُرُ داخِلِي بِبُطءٍ؛ جُذورُها مَغروسَةٌ فِي صَدري، وَأَغصانُها تَخدِشُ السَّماءَ كُلَّ لَيلَةٍ، ثُمَّ تَعودُ لِتَسقُطَ فَوقَ رَأسِي كَرَمادٍ لا يَنتَهِي. أُوصِيكَ أَن تَسقِيَ الزُّهورَ الَّتِي أَحبَبتُها. لا لِأَنَّنِي سَأَراها… بَل لِأَنَّها الوَحيدَةُ الَّتِي كانَتْ تَسمَعُ صَوتَ اِنكِسارِي حِينَ كُنتُ أُوَزِّعُ اِبتِسامَتِي عَلَى الجَمِيعِ كَأَنَّ شَيئًا فِي داخِلِي لَم يَكُنْ يَنهارُ. وَأُوصِيكَ إِذا مَرَرتَ قُربَ مَكانٍ جَمَعَنا يَومًا، أَلّا تُطِيلَ النَّظَرَ. الأَماكِنُ الجَرِيحَةُ تُشبِهُ الذِّئابَ العَجوزَ؛ تَبدو هادِئَةً… لَكِنَّها تَنهَشُ مَن يَعودُ إِلَيها وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الذِّكرياتِ ماتَتْ. أَمّا سَرِيرِي… فَلا تَقتَرِبْ مِن جِهَتِهِ الفارِغَةِ. هُناكَ ما زالَتْ تَتَكَوَّمُ لَيالٍ كامِلَةٌ لَم تَنَمْ، وَأَحلامٌ ماتَتِ اختِناقًا تَحتَ الوِسادَةِ، كَعَصافِيرَ صَغيرَةٍ أُغلِقَتْ عَلَيها النّافِذَةُ فِي عِزِّ الرَّبِيعِ. وَإِن سَأَلَكَ أَحَدُهُم عَنِّي، فَلا تَقُلْ: كانَتْ تُحِبُّنِي. قُلْ: كانَتْ تَحمِلُ فِي قَلبِها مَقْبَرَةً كامِلَةً، وَتُحاوِلُ كُلَّ يَومٍ أَن تَزرَعَ فَوقَ القُبورِ حُقولَ قَمحٍ كَي لا يَرَى أَحَدٌ حَجمَ الخَرابِ. وَأُوصِيكَ أَيضًا أَن تَعتَذِرَ لِلرَّسائِلِ الَّتِي لَم تَرُدَّ عَلَيها. فَهِيَ لَم تَكُنْ حُروفًا… كانَتْ أَصابِعَ تَرتَجِفُ فَوقَ الشّاشَةِ، وَتَشتَعِلُ كَشُموعٍ فِي مَهَبِّ العاصِفَةِ، ثُمَّ تَنطَفِئُ واحِدَةً تِلوَ الأُخرَى دُونَ أَن يُلاحِظَ اِحتِراقَها أَحَدٌ. وَحِينَ يَأتِي الشِّتاءُ، وَتَسمَعُ المَطَرَ يَطرُقُ الزُّجاجَ، لا تَقُلْ إِنَّهُ مَطَرٌ. تَذَكَّرْ أَنَّ أَرواحًا بَعِيدَةً تَسقُطُ بِهذِهِ الطَّرِيقَةِ أَيضًا… قَطرَةً قَطرَةً… حَتّى لا يَبقَى مِنها سِوَى الضَّبابِ. أَمّا وَصِيَّتِي الأَخِيرَةُ، فَهِيَ الأَقسَى: إِذا أَحبَبتَ بَعدِي، فَأَحبِبْ كَما لَو أَنَّ العالَمَ سَيَنتَهِي غَدًا. وَلا تَجعَلْ أَحَدًا يَقِفُ العُمرَ كُلَّهُ فِي غُرفَةِ اِنتِظارٍ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ القِطارَ سَيَصِلُ. لا تَترُكْ قَلبًا مُعَلَّقًا بَينَ البابِ وَالرَّحِيلِ. فَلا شَيءَ يَقتُلُ الإِنسانَ أَكثَرَ مِن أَن يَعِيشَ عَلَى اِحتِمالٍ لا يَأتِي. لَقَد تَعِبتُ… تَعِبتُ مِنَ الوُقوفِ عَلى رَصِيفٍ لا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ. وَتَعِبتُ مِن حَملِ وَردَةٍ ماتَتْ مُنذُ أَعوامٍ وَما زِلتُ أَسقِيها مِن دَمِي. وَتَعِبتُ مِن تَرمِيمِ النُّجومِ الَّتِي كانَتْ تَسقُطُ كُلَّ لَيلَةٍ مِن سَقفِ أَحلامِي، ثُمَّ أَكتَشِفُ أَنَّ السَّماءَ لَم تَكُنْ لِي أَصلًا. لِهٰذا أَكتُبُ وَصِيَّتِي الآن… وَأَترُكُها قُربَ نافِذَةٍ مَفتوحَةٍ لِلرِّيحِ. فَإِن وَصَلَتْ إِلَيكَ، فَقَد تَأَخَّرتَ كَثيرًا. وَإِن لَم تَصِلْ… فَهِيَ تُشبِهُنِي تَمامًا: شَيءٌ ضاعَ فِي الطَّرِيقِ، وَكانَ يَنتَظِرُ أَن يَلتَفِتَ إِلَيهِ أَحَدٌ.