وَمَنْ قالَ إنَّني أُريدُ إزالَةَ الأَوْشامِ؟ لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقْرَأُ الأَثَرَ يَفْهَمُ الحِكايَةَ، وَلا كُلُّ مَنْ يَرَى الوَجَعَ يُدْرِكُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ جُزْءًا مِنَ الهُوِيَّةِ. لِذَلِكَ حِينَ قيلَ لِي: «كِتابُكَ مَوْشومٌ بِالْماضِي المُؤْلِمِ وَالْمُسْتَقْبَلِ المَجْهولِ، كَمْ سَيَسْتَغْرِقُ إِزالَةُ الأَوْشامِ؟» وَمَنْ قالَ إنَّني أُريدُ إزالَةَ الأَوْشامِ؟ لَيْسَ كُلُّ ما يُنْقَشُ فينا خَطيئَةً تَسْتَحِقُّ المَحْوَ، ولا كُلُّ ما يُؤْلِمُنا عَيْبًا يَنْبَغي أَنْ نَخْجَلَ مِنْهُ. فَبَعْضُ الأَوْجاعِ لا يَأْتي لِيَكْسِرَنا، بَلْ لِيَكْتُبَ أَسْماءَنا بِلُغَةٍ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُها. تَحَدَّثْتَ عَنْ كِتابٍ مَوْشومٍ بِالْماضِي المُؤْلِمِ وَالْمُسْتَقْبَلِ المَجْهولِ... أَمَّا أَنا، فَأَرَى أَنَّ الإِنْسانَ لا يَحْمِلُ كِتابًا، بَلْ مَكْتَبَةً كامِلَةً؛ في كُلِّ رَفٍّ مِنْها نُسْخَةٌ ماتَتْ، وَأُخْرَى وُلِدَتْ، وَثالِثَةٌ ما زالَتْ تَنْتَظِرُ قارِئَها. تَسْأَلُني: كَمْ سَيَسْتَغْرِقُ إزالَةَ الأَوْشامِ؟ وَأَنا أَسْأَلُكَ: وَهَلْ يُقاسُ العُمْرُ بِما مَضى، أَمْ بِما تَرَكَ فِينا؟ فَالزَّمَنُ لا يَمْحُو النُّدوبَ، بَلْ يُعَلِّمُها كَيْفَ تُصْبِحُ أَقَلَّ ضَجيجًا. يَمُرُّ فَوْقَها كَما يَمُرُّ النَّهْرُ فَوْقَ الحَجَرِ؛ لا يُلْغِي وُجودَهُ، لَكِنَّهُ يَمْنَحُهُ شَكْلًا جَديدًا. لِهٰذا تَبْدو بَعْضُ الأَرْواحِ هادِئَةً... لا لأَنَّها لَمْ تَتَأَلَّمْ، بَلْ لأَنَّها أَتْقَنَتْ فَنَّ الصَّمْتِ فَالصَّفَحاتُ الَّتي لَمْ يَمْسَسْها وَجَعٌ، تُشْبِهُ مِرْآةً لَمْ تَرَ وَجْهًا، وَبَحْرًا لَمْ يَعْرِفْ عاصِفَةً، وَشَجَرَةً لَمْ تُجَرِّبْ فَصْلَ الخَريفِ. جَمالُها كامِلٌ... لَكِنَّهُ لَمْ يُخْتَبَرْ. أَمَّا أَوْشامِي، فَهِيَ لَيْسَتْ آثارَ هَزائِمَ، بَلْ خَرائِطُ طَريقٍ أَعادَتْني إِلَيَّ كُلَّما أَضَعْتُ نَفْسي. وَكُلُّ نُدْبَةٍ فيها تَحْمِلُ تَوْقيعَ لَحْظَةٍ ظَنَنْتُ أَنَّها النِّهايَةُ، فَإِذا بِها تُعَلِّمُني أَنَّ النِّهاياتِ لَيْسَتْ سِوى أَبْوابٍ تَتَنَكَّرُ في هَيْئَةِ جُدْرانٍ. لِذٰلِكَ لَنْ أُضَيِّعَ عُمْري باحِثَةً عَنْ مِمْحاةٍ لِلذَّاكِرَةِ. سَأَدَعُ الماضِي في مَكانِهِ؛ لا سِجْنًا أَعودُ إِلَيْهِ، وَلا قَبْرًا أَسْكُنُهُ، بَلْ فَصْلًا أَقْرَؤُهُ كُلَّما نَسِيتُ كَمْ دَفَعْتُ لِأَصِلَ إِلى هٰذِهِ النُّسْخَةِ مِنْ نَفْسي. وَإِذا كانَ كِتابي مَوْشومًا بِالْماضِي المُؤْلِمِ وَالْمُسْتَقْبَلِ المَجْهولِ، فَذٰلِكَ لِأَنَّ الحَياةَ لا تَكْتُبُ رَوائِعَها بِالحِبْرِ... بَلْ بِما يَتْرُكُ عَلَى الأَرْواحِ مِنْ أَثَرٍ. وَحِينَ يُغْلَقُ هٰذا الكِتابُ يَوْمًا، لَنْ يَسْأَلَ أَحَدٌ كَمْ وَشْمًا حَمَلَتْ صَفَحاتُهُ... بَلْ كَمْ حَقيقَةً اسْتَطاعَ أَنْ يَتْرُكَها في قَلْبِ مَنْ قَرَأَهُ.