المقالات والسياسه والادب

أمي أتذكرين قصة الأديب القاص منير بهري

أمي أتذكرين قصة الأديب القاص منير بهري
  

التحليل والقراءة النقدية

بقلم …..سليمة مالكي نور القمر

البداية
البداية دائما بأي قصة العنوان وجاء العنوان هنا بأسلوب الخطاب فالكاتب يوجه الكلام لأمه ويسألها
أتذكرين. ، ولم يضع علامة استفهام ولهذا دلالة فهي تتذكر أكيد ولن تكون هي من يجيب على هذا السؤال بل الكاتب نفسه هو من يحكي الذكرى .

_________الشخصيات
شخصياتنا بهذه القصة هي الكاتب والذي هو بطل القصة وهو الراوي للأحداث استهلها بضمير المتكلم وهو يسرد لنا القصة .
الأم هي شخصية فاعلة وكل القصة مبنية عليها لكن ليس هناك حوار
بل هي موجودة كذكرى يرويها الكاتب .
__للا هشوم الممرضة مصطلح أو لقب ( لَلاَ ) ينْطَق بفتحتين هي كلمة يستخدمها أهل المغرب لمخاطبة النساء وهي كلمة تُبَجِلُ وتُقَيِّم كل امرأة وتعني سيدة فاضلة ومحترمة . وللا هشوم شخصية محوَرية دار حولها الحدث المهم بالقصة .

_________القصة
أول كلمة بدأ بها الكاتب قصته هي
(أذكر ) بعد العنوان مباشرة الذي كان يخاطب به والدته فسألها ليجيب هو لهذا الكاتب ببراعة أدخل القارىء مباشرة بالقصة التي هي ذكرى وذكرى مُتَرَسِخَة بعقله وقلبه .

________الولادة

أعقب الكاتب الكلمة الأولى بجملة لخصت القصة كَكُل وهي :
أذكر الغرفة التي شهدت أول صرخة لي )
وهنا نفهم ويفهم القارىء أن الكاتب يسْتَدْكِر لحظة ولادته ….ويخوض بسرد ممتع ومبهر لغرفة الولادة التي كانت كعادة زمن ولى وليس بالبعيد
غرفة ببيت طفولته وتلك الغرفة شهدت ولادة كل إخوته . وعلى يد القابلة للا هشوم والتي هي ممرضة
بالفطرة يعني لم تدرس تمريض بل كانت حرفة تُلَقَن وتتوَارَث من شخص لآخر كانت بكل قرية أو مدينة سيدة تأخد على عاتقها توليد نساء المنطقة وتكتسب خبرة وحنكة مع الوقت وهذا ماكانت عليه للا هشوم.

________لحظة الولادة
الحدث بالقصة ليس لغزا أو شيئا غريبا هو ولادة الكاتب وبطل القصة لكن الشيء غير العادي هو البناء التصاعدي للحظة الولادة والمفردات
وكمية التفاصيل والحماس والقلق والوجع الذي استطاع الكاتب نقله الينا .، الكاتب انخرط بوصف وجه القابلة الى يديها الى حركاتها التي تُظهِر حنكة وخبرة وبراعة ، ويُفَصِل بكل حركاتها وسَكَنَاتِهَا ،ويسرد بوصف دقيق أمه بهذه اللحظة صراخها وأنينها وكلمات القابلة لها جبينها المُتَعَرِقْ ووَصَف حتى حركاتِهِ وهو الجنين العالق بين عالمين يُحَارِبْ ويَشُقُ طريقه للخروج للوجود . وتتصاعد الأحداث
ويزيد الحماس حتى يأتي الانفراج وتنحل عقدة القصة بلحظة الولادة وقطع لَلاَ هَشُومْ للحبل السري بلا تفكير ايذانًا ببدء الحياة .

_________بعد الولادة
الكاتب لم يكتفي بسرد تلك الملحمة بل انتقل ليروي ما بعد الولادة الدقائق والساعات الأولى ليصف ماقامت به القابلة من اجراءات وهي أمور يعرفها الجميع كذكرى ممكن شاهدت مشهد تلفزيوني أو شريط مصور للولادة لكن الشيء غير العادي هو سرد الكاتب للتفاصيل التي كانت على لسان هذا الرضيع الذي حكى عن أمه خائرة القوى انفاسها المتقطعة
اضطراب رجليها ضعفها ،وعرج على القابلة وهي تصفعه لِتُدَكِرَهُ بقسوة الحياة . حكى عن أولى قطرات اللبا التي رضعها من أمه وما أجمل تلك الصلة التي لا تنقطع
فيُقطع من حبلها السري من جهة ليتصل بثديها ويلقف به الحياة من جهة أخرى ..

_______بعد الولادة

الكاتب يسرد لنا أرض المعركة بدقة يخال بها القارىء نفسه موجودا بذات غرفة الولادة تلك من كثرة التفاصيل وتشعبها فيرسم المشهد
بعد الولادة تبشر للا هشوم بولادة ذكر ماشاء الله وبعد قطعها للحبل السري وصفعاتها الاولى تُسَلِمْهُ لوالدته ليرضع أولى قطرات اللبا
وتخوض بجمع أشياءها وتنظف أرض المعركة بزهو واعتزاز بانجازها وتلف المولود بخرقة خضراء لها تاريخ بالعائلة لتطرحه أمه في مهد مستطيل بجدران مشبكة ويستعرض الكاتب مشهد اخته الرضيعة ملفوفة بنفس المكان على نفس المهد .

________النهاية
آخر القصة يوجه الكاتب الكلام لأمه ويخاطبها بعبارة (يا أمي) ويعود ليسألها ولكن هذه المرة هو لا يملك الجواب بل يملك الضياع يسألها عن ذلك الغطاء الأخضر و السرير الذي حماه من السقوط وهو رضيع يسأل أمه التي حمته وهو رضيع من يحميه من هذا الزمن وهو كبير؟؟! لينهي الكاتب القصة بهذا السؤال .

_______ رأيي الشخصي .

الكاتب وببراعة لا متناهية رسم لنا مشهد الولادة بتفاصيل متناهية الدقة لا يمكن أن يصيبها الا من عايش الحدث ، فطبعا من غير المنطقي أن يتذكر لحظة ولادته لكن الجزئية التي ذكر فيها أخته الرضيعة تشرح بوضوح كل شيءالكاتب شهد ولادة أخته لما كان طفلا صغيرا ولكن ذاكرته الغضة احتفظت بكل تلك التفاصيل والمشاعر وتخيل لحظة ولادته هو والأمر نفسه طبعا فالولادة واحدة والمشاعر لا يمكن اختلاقها لهذا كانت صادقة جدا ،والمشهد حقيقي والتفاصيل مذهلة لقد نجح بجعل القارىء يعيش معجزة الولادة التي ليست بالحدث الهين .
الجزء الأخير الذي يخاطب به الكاتب والدته يعكس شوقا كبيرا مما يجعلنا نفهم أنها رحلت وأي شخص ضعيف أمام أمه ومهما بلغ من الكبر والنضوج يبقى طفلا مفتقدا للحنان والامان الذي اختصره لنا الكاتب بغرفة الولادة تلك والملاءة الخضراء والمهد الخشبي ،والحضور الملحمي لللا هشوم وحضن الام وحليبها .

________اللغة وأسلوب الكاتب

مهما كتبت لن أوفي الكاتب حقه هذه قصة قصيرة لكنها ثرية بالمفردات القوية والعبارات المعبرة
وأسلوب السرد الوصفي خدم القصة تشبيهات قوية (وجه يتقلص كعضلة القلب ،يداها قطن ناعم ،اشتباكات الرحم ) لغة الكاتب مزجت بين الجمال والقوة وسحر البيان قيمة هذه القصة بغظ النظر عن الموضوع الذي لاجدال فيه وبجماله هو اللغة والأسلوب ،قصة تقدم لك متعة القراءة وجمالية السرد والوصف والخوض بالتفاصيل .
أشكر الكاتب على هذا العمل المتكامل الذي يستحق القراءة والاشادة و الدراسة كانت فرصة كبيرة وشرف لي اني مررت بها تحياتي .
___________________________

أمي أتذكرين.

أذكر الغرفة التي شهدت أول صرخة لي، وأعقبها صراخ إخوتي، غرفة الولادة والعرض ، القابلة للا هشوم ممرضة بالفطرة وهي الشاهدة على عدد الرؤوس التي انداحت مثل انجياب الصبح ، للا هشوم بوجهها الصبوح كأنها صفحة الماء الرقيقة لم تدنس ، يداها الغليظتان مفتولتان ومعرقتان ، منحسرتان تومضان بالحركة وهما خير مشرط ، أمي تخنق صراخها وتحجز أنينها الممض ، القابلة للا هشوم مسنفرة وتحفز أمي وتخدرها بكلمات :
-لم يبق إلا القليل هيا هيا، ليست ولادتك الأولى .
جبين أمي يتصفد بالعرق البارد، ووجها المدور يتقلص كعضلة القلب ، تحشد القوة تلو القوة كأنها أمواج متحالفة ،وأنا عالق بين ضلوعها ، ألتمس الطريق غير مكترث للمضاعفات .
أحكمت للا هشوم رأسي، يداها قطن ناعم ، بدأت تفلتني وأنا أنزلق كقطرة الندى تأبى السقوط لكن الورقة تدفعها كصاحباتها ، دفعتني تقلصات أمي لألتحم بالوجود ، وأنا محتقن اجتمعت بعض الألوان في إهابي ، اللون الأخضر والأحمر يتصارعان ، خرجت من اشتباكات الرحم وظلماته ، قطعت للاهشوم الحبل السري ، لم تفكر طويلا ، كأنها تقطع شريطا تدشن به حياتي الأولى.
– ماشاء الله إنه ذكر. الحمد لله على سلامتك .
أمي خائرة ، أنفاسها مقطعة ، رجلاها تضطربان ، بينما للاهشوم تصفع خاصرتي براحتيها البضتين ، وأشرع في الناه ناه ، وأغرد بصوتي الشجي ، أضمه إلى ألأصوات التي ضج بها المكان .
لقفتني ثديها واستفدت من اللبا .
جمعت للاهشوم نواتج المعركة ونظفت المكان ، وبزهو تخرج من الغرفة منتصرة .الضماد يكبلني ، وخرقة خضراء تستر بياض الخرق ، هذه الخرقة أو الملاءة الخضراء لف بها إخوتي .طرحتني أمي في مهد مستطيل مترامي الطول ، تحيط بي جدران المهد مشبكة ، هذا السرير شهد رقود إخوتي .
– أحملق في أختي الصغيرة وهي ملفوفة بالغطاء الأخضر ،بجوارها السرير الحاني ، وأشم بداياتي وأنا غض.
يا أمي إن الغطاء الأخضر ألهمني الخصب واليفاعة ، وإن السرير الطويل وقاني من السقوط .فمن يقيني من السقوط وأنا كبير ، هل لي يا أمي بغطاء أخضر يغلف جدبي ، وهل لي من سرير حديدي يقيني من الرضوض وعاديات الزمن ؟ .

بقلم منير بهرى .المغرب

مقالات ذات صلة