بين مطرقة النرجسية وسندان الأمومة: رحلة البحث عن الكيان المفقود

بين مطرقة النرجسية.وسندان الأمومة: رحلة البحث عن الكيان المفقود
بقلم: د.ذكاء رشيد
في دهاليز المحاكم وبين أروقة البيوت الموصدة، تُخاض يومياً معارك صامتة تتجاوز حدود الخلاف الزوجي التقليدي. هي معارك “الهوية” التي تخوضها نساء وجدن أنفسهن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما البقاء في ظل شخصية نرجسية تقتات على محو الآخر، أو الخروج بقلب مثقل بمسؤولية الأطفال والبحث عن “ذات” ضاعت ملامحها لسنوات.
عصر الاستيقاظ: حين لا يكفي الصبر
لسنوات طويلة، روّجت الثقافة الاجتماعية لفكرة “التضحية المطلقة” للأم، حتى لو كان الثمن هو سحق كرامتها واستنزاف صحتها النفسية. لكن الوعي الحديث بالاضطرابات الشخصية، وعلى رأسها “النرجسية”، كشف الستار عن واقع مرير؛ فالعيش مع شريك نرجسي ليس مجرد تعايش مع شخص صعب المراس، بل هو تورط في نظام “تلاعب نفسي” (Gaslighting) يهدف إلى جعل الضحية تشك في قواها العقلية وقيمتها الإنسانية.
عندما تقرر الأم رفع دعوى طلاق في هذا السياق، فهي لا تطلب “انفصالاً” فحسب، بل هي ترفع دعوى “استرداد كيان”. هي خطوة تعلن فيها انتهاء حقبة “الصمت” وبدء مرحلة “الترميم”.
الأطفال: الضحايا أم الناجون؟
يبرز التساؤل الأكبر دوماً: “ماذا عن الأولاد؟”. يشير خبراء علم النفس الاجتماعي إلى أن أكبر مغالطة تقع فيها الأم هي الاعتقاد بأن البقاء مع أب نرجسي يحمي الأطفال. الحقيقة أن الأطفال في هذه البيئة يتعلمون نموذجاً مشوهاً للحب، حيث السيطرة هي الأساس والخضوع هو النجاة.
خروج الأم من هذه الدائرة، رغم صعوبته القانونية والمادية، يمنح الأطفال فرصة لرؤية نموذج “الأم القوية” التي تضع حدوداً للاحترام. إنها رحلة تحويل الأطفال من “ضحايا صامتين” لبيئة سامة إلى “ناجين” يمتلكون الوعي النفسي لحماية أنفسهم مستقبلاً.
المواجهة القانونية: معركة خارج النص
الطلاق من شخصية نرجسية لا يشبه أي طلاق آخر. فبالنسبة للنرجسي، الطلاق ليس نهاية علاقة، بل هو “إهانة لغنائمه”. هنا تتحول الدعوى القضائية إلى ساحة لتصفية الحسابات واستخدام الأبناء كأوراق ضغط.
لذا، يشدد المختصون على ضرورة أن تتحلى المرأة في هذه المرحلة بـ:
الانفصال العاطفي: عدم الانجرار لاستفزازات الشريك التي تهدف لإظهارها بصورة “الأم غير المتزنة” أمام القضاء.
الدعم المهني: الاستعانة بخبراء قانونيين ونفسيين يدركون طبيعة السلوك النرجسي وكيفية الرد عليه بالحقائق لا بالعواطف.
الكيان الضائع: ولادة من رحم المعاناة
إن البحث عن الكيان والشخصية الضائعة ليس “رفاهية”، بل هو ضرورة للبقاء. فالمرأة التي استعادت ثقتها بنفسها هي الأقدر على تربية جيل واثق. إنها تبدأ من الصفر؛ تستكشف هواياتها، طموحها المهني، وصوتها الذي خفت طويلاً.
ختاماً..
إن دعوى الطلاق في حالة “الأمومة في مواجهة النرجسية” هي صرخة حرية. قد تكون الطريق وعرة، ومحاولات الشريك لزعزعة الاستقرار مستمرة، لكن الهدف أسمى من مجرد ورقة رسمية؛ إنه استعادة إنسانة قررت ألا تموت وهي على قيد الحياة، من أجل نفسها، ومن أجل أرواح صغيرة تستحق أن ترى أماً حقيقية، لا ظلاً لأم



