المقالات والسياسه والادب

على أعتاب الجلال

على أعتاب الجلال

بقلمي هدى عبده 

 

يا رب، ها أنا وقفت ببابكَ السامي، أُلقي على عتبات نورك غربتي، وأذيب في بحر الرضا أحزاني، فما وجدت سواك ملاذاً حين ضاقت بي الجهات.

أنا الذي حملت من الدنيا غبار مسافاتها، وسرت بين وجوهٍ كثيرة، فلم أجد وجهاً يشبه الطمأنينة التي تسكن في ذكرك، ولا صوتاً يملأ القلب كما يملؤه نداءُ أسمائك الحسنى.

يا واسع الرحمة، إن الأرواح إذا تاهت عادت إليك، وإن القلوب إذا أرهقتها الطرق، وجدت في حضرتكَ أوطانها الأولى.

فخذ بيدي، فإني ما أردت من العمر إلا أن أكون لك، ولا من الدنيا إلا ما يقودني إليك، ولا من الناس إلا صحبةً تعين على محبتك.

وأما نبيّكَ المختار، فهو النور الذي لا يخبو في الوجدان، وهو الندى الذي يحيي حدائق الروح إذا أجدبت، وهو السرّ الجميل الذي كلما ذكرناه، اتسعت في صدورنا سماءٌ من السكينة.

يا سيدي يا رسول الله، يا راية الحقّ إذا تفرقت الرايات، ويا شمس الهداية إذا تكاثفت غيوم الضلال، نحن أبناء زمنٍ أثقلته الشهوات، فمدّ إلينا من سيرتكَ جسراً نعبرُ به إلى النور.

نشتاق إلى صحبكَ الكرام، إلى تلك القلوب التي تطهرت من أنانيتها، حتى صار الواحد منهم نهراً من وفاء، وبستاناً من محبة، ومئذنةً يرتفع منها أذان الأخوة الصادقة.

يا رب، اجعل لنا من ذلك الإرث نصيباً، ومن ذلك الصفاء مشرباً، ومن ذلك الحب زاداً لا ينفد.

واجعل قلوبنا إذا اختلفت تعود إلى الرحمة، وإذا ضعفت تعود إلى الذكر، وإذا قست تعود إلى السجود.

فما الحياة إلا عبور، وما الأعمار إلا سحابة صيف، وما يبقى إلا وجهُكَ الكريم، وما يدوم إلا ما كان لك.

وها أنا أرفع روحي إليك، لا أحمل إلا فقري، ولا أتزين إلا برجائي، ولا أستند إلا إلى رحمتك.

فإن قبلتني، فذلك الفضل الذي لا يُدرك مداه، وإن سترتني، فذلك الكرم الذي تعجز عنه العبارات.

وفي ختام المناجاة، أذوبُ في بحرِ التوحيد قطرةً لا ترى نفسها، وأفنى عن ضجيجِ النفس حتى لا يبقى إلا الحضور، حضورُ قلبٍ عرف أن الطريق إليكَ أنت، وأن الغاية أنت، وأن الجمال كل الجمال فيك.

فإذا سألني السائرون: أين المسير؟

قلت: إلى الله.

وإذا سألوني: أين الوصول؟

قلت: في الله.

وإذا سألوني: ما نهايةُ الشوق؟

قلت: أن يغيب العاشقُ عن نفسه، ويبقى قلبُه ساجداً في حضرةِ الجلال، يشهد النور بالنور، ويحيا بالله، ولله، ومع الله.

د. هدى عبده ✒️

مقالات ذات صلة