المقالات والسياسه والادب

بأي ذنبٍ قتِل؟ قصة غدر في “الكردي” وهدم لِحُلم أم ثكلى

 

كتبت  ا. سبيله صبح 

 

شهدت مدينة الكردي بمركز منية النصر بمحافظة الدقهلية أول أمس فاجعةً اهتزت لها القلوب الصامتة، وجريمةً نكراء راح ضحيتها الشاب أحمد ياسر، الطالب بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة المنصورة. شابٌ في مقتبل العمر، كان يحمل غده بين يديه ويخطو نحو مستقبله بروح طيبة شهد لها الجميع، ليقع ضحيةً لغدرٍ مفاجئ على يد المدعو (محمد علي الدين)، الذي نصَّبَ نفسه قاضيًا وجلادًا، منفذاً حكمًا بالإعدام غيلةً وغدرًا، تحت ذريعة واهية ادعى فيها وجود رسائل من الشاب لأخته على تطبيق “واتساب”.

 

هل أصبح القاتل جهة حكم وتنفيذ أحكام؟

 

السؤال الباكي الذي يطرح نفسه اليوم على لسان عائلة أحمد ومحبيه، وعلى لسان كل ذي عقل ودين: بأي ذنبٍ قُتل هذا الشاب؟

 

حتى لو صدقت مزاعم القاتل وافتراءاته، هل عقاب التواصل أو الرسائل في شرع الله أو قانون البشر هو القتل؟ ومنذ متى كان القاتل جهة حكم وتنفيذ أحكام، حتى لا يأبه بشرعٍ، أو قانون، أو عُرف؟ لقد حكم على الشاب في مخيلته المريضة بالقتل، وقام من فوره بتنفيذ الحكم دون رادع.

 

إن القضاء والقانون في كل المجتمعات الإنسانية كفل للمتهم – أي متهم كان – تحقيقاتٍ مطولة في التهم المنسوبة إليه للتحقق منها، ووفر له حق توكيل المحامين للدفاع عن نفسه. وليس هذا فحسب، بل إنه حتى بعد ثبوت التهمة والتأكد من الجرم وبعد صدور الحكم، أعطى القانون للمحكوم عليه الحق في الطعن والاستئناف، وسبلًا كثيرة لتخفيف الحكم أو نيل البراءة حفاظاً على العدالة.

 

فما بال هذا القاتل حرم ضحيته من أبسط حقوقه الإنسانية؟ حرمه حتى من حق الدفاع عن نفسه أو نفي التهمة عنه، واختصر كل سلطات الدولة والشرع في لحظة غضب وغدر عمياء!

 

وراء هذا الشاب الراحل قصة كفاح وتضحية تدمي القلوب؛ قصة أمٍّ ثكلى، مات زوجها فرفضت الدنيا وزينتها، ورفضت الزواج من بعده لتتفرغ لتربية وليدها ورعايته منذ نعومة أظفاره. عاشت تحميه وتخشى عليه أن يؤذيه أحدٌ ولو بنظرة. اكتفت به من الدنيا عوضًا عن غياب أبيه وسندًا في مواجهة الحرمان، ورأت فيه العوض والجبر الإلهي.

 

أحسنت تربيته، وعلمته وأحسنت تعليمه، ولم تبخل عليه بحنانها، بحبها، وبمالها. كانت تجهزه وتعد الأيام ليكون سندًا وعائلًا لها في مشيبها وضعفها. وحين اشتد عوده، وأوشك حلم العمر أن يتحقق ويجني ثمار السنين، ظهر هذا القاتل بسيفه الغادر ليجتث الشجرة الطيبة من أصلها، ويهدم البيت على رأس الأم الصابرة.

 

ما أبشع هذا الجرم! وما أغلظ تلك العقوبة التي لَحِقت بفعلٍ – لو صح جدلًا وصفه بجرمٍ- لا يستحق حتى الوقوف أمامه!

 

السؤال المؤجل أمام أحكم الحاكمين

 

…. أيها القاتل.. بأي حجةٍ سوف تدافع بها عن نفسك حينما تقف مع هذا الشاب المغدور أمام الله عز وجل في يوم تشخص فيه الأبصار؟

 

حين يشير إليك الشاب أحمد ياسر بين يدي رب العزة ويقول: “يا رب.. سَلْ هذا لِمَ قتلني؟”

 

هل فكرت للحظة واحدة في تلك الوقفة؟

 

هل جهزت إجابةً لمالك الملك تبرر بها انتزاع روحٍ حرم الله قتلها إلا بالحق؟

 

إن دماء أحمد ياسر لن تضيع في الأرض، والقصاص العادل هو المطلب الوحيد لأمه المحطمة ولأهله ومحبيه، ليكون هذا القاتل عبرةً لكل من تسول له نفسه أن يستبيح الدماء ويظن أنه فوق القانون والشرع. رحم الله الشاب أحمد ياسر، وألهم والدته الصبر والسلوان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

مقالات ذات صلة