المقالات والسياسه والادب

وَصِيَّتِي

بقلم الكاتبة إيمان نجار

وَصِيَّتِي

‏عِندَما أَموتُ داخِلَ قَلبِكَ لِلمَرَّةِ الأَخِيرَةِ، لا تُغلِقْ عَينَيَّ.

‏اتْرُكْهُما مَفتوحَتَينِ قَليلًا…

‏لَيسَ لِكَي أُبصِرَ العالَمَ مَرَّةً أَخِيرَةً، بَل لِكَي تَرَى كَيفَ يَموتُ الإِنسانُ واقِفًا عِندَ بابِ شَخصٍ أَحَبَّهُ أَكثَرَ مِمّا يَنبَغِي.

‏إِذا وَصَلَتْكَ هذِهِ الكَلِماتُ يَومًا، فَلا تَفتَحْها كَرِسالَةِ عاشِقٍ تَأَخَّرَ فِي الاِعتِرافِ، بَلِ افتَحْها كَأَنَّكَ تُزيحُ آخِرَ حَجَرٍ عَن قَبرٍ نَسِيَ النّاسُ اسمَ صاحِبِهِ.

‏قَد تَرَى الغُبارَ يَدورُ فِي الضَّوءِ… لَكِنْ لا تُصَدِّقْ أَنَّهُ غُبارٌ؛ تِلكَ بَقايا أَحلامِي بَعدَما تَهَشَّمَتْ مِن طُولِ الاِنتِظارِ.

‏أَنا لا أَترُكُ لَكَ وَصِيَّتِي لِأَنَّنِي أَموتُ، بَل لِأَنَّ بَعضَ الغِيابِ لا يَأتِي فارِغًا؛ يَأتِي وَفِي يَدِهِ كُلُّ ما يَفعَلُهُ المَوتُ… ثُمَّ يَرحَلُ.

‏وَحِينَ أَرحَلُ مِن قَلبِكَ نِهائِيًّا، لا تَبحَثْ عَنِّي فِي الصُّوَرِ القَدِيمَةِ.

‏فَالصُّوَرُ لا تَكذِبُ… لَكِنَّها لا تَقولُ الحَقِيقَةَ كامِلَةً.

‏كانَتْ تَحفَظُ الضَّوءَ جَيِّدًا، وَتَترُكُ الخَرابَ خارِجَ الإِطارِ.

‏لَم تَكُن تَلتَقِطُ تِلكَ الشَّجَرَةَ السَّوداءَ الَّتِي كانَتْ تَكبُرُ داخِلِي بِبُطءٍ؛ جُذورُها مَغروسَةٌ فِي صَدري، وَأَغصانُها تَخدِشُ السَّماءَ كُلَّ لَيلَةٍ، ثُمَّ تَعودُ لِتَسقُطَ فَوقَ رَأسِي كَرَمادٍ لا يَنتَهِي.

‏أُوصِيكَ أَن تَسقِيَ الزُّهورَ الَّتِي أَحبَبتُها.

‏لا لِأَنَّنِي سَأَراها… بَل لِأَنَّها الوَحيدَةُ الَّتِي كانَتْ تَسمَعُ صَوتَ اِنكِسارِي حِينَ كُنتُ أُوَزِّعُ اِبتِسامَتِي عَلَى الجَمِيعِ كَأَنَّ شَيئًا فِي داخِلِي لَم يَكُنْ يَنهارُ.

‏وَأُوصِيكَ إِذا مَرَرتَ قُربَ مَكانٍ جَمَعَنا يَومًا، أَلّا تُطِيلَ النَّظَرَ.

‏الأَماكِنُ الجَرِيحَةُ تُشبِهُ الذِّئابَ العَجوزَ؛ تَبدو هادِئَةً… لَكِنَّها تَنهَشُ مَن يَعودُ إِلَيها وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الذِّكرياتِ ماتَتْ.

‏أَمّا سَرِيرِي… فَلا تَقتَرِبْ مِن جِهَتِهِ الفارِغَةِ.

‏هُناكَ ما زالَتْ تَتَكَوَّمُ لَيالٍ كامِلَةٌ لَم تَنَمْ، وَأَحلامٌ ماتَتِ اختِناقًا تَحتَ الوِسادَةِ، كَعَصافِيرَ صَغيرَةٍ أُغلِقَتْ عَلَيها النّافِذَةُ فِي عِزِّ الرَّبِيعِ.

‏وَإِن سَأَلَكَ أَحَدُهُم عَنِّي، فَلا تَقُلْ: كانَتْ تُحِبُّنِي.

‏قُلْ: كانَتْ تَحمِلُ فِي قَلبِها مَقْبَرَةً كامِلَةً، وَتُحاوِلُ كُلَّ يَومٍ أَن تَزرَعَ فَوقَ القُبورِ حُقولَ قَمحٍ كَي لا يَرَى أَحَدٌ حَجمَ الخَرابِ.

‏وَأُوصِيكَ أَيضًا أَن تَعتَذِرَ لِلرَّسائِلِ الَّتِي لَم تَرُدَّ عَلَيها.

‏فَهِيَ لَم تَكُنْ حُروفًا… كانَتْ أَصابِعَ تَرتَجِفُ فَوقَ الشّاشَةِ، وَتَشتَعِلُ كَشُموعٍ فِي مَهَبِّ العاصِفَةِ، ثُمَّ تَنطَفِئُ واحِدَةً تِلوَ الأُخرَى دُونَ أَن يُلاحِظَ اِحتِراقَها أَحَدٌ.

‏وَحِينَ يَأتِي الشِّتاءُ، وَتَسمَعُ المَطَرَ يَطرُقُ الزُّجاجَ، لا تَقُلْ إِنَّهُ مَطَرٌ.

‏تَذَكَّرْ أَنَّ أَرواحًا بَعِيدَةً تَسقُطُ بِهذِهِ الطَّرِيقَةِ أَيضًا… قَطرَةً قَطرَةً… حَتّى لا يَبقَى مِنها سِوَى الضَّبابِ.

‏أَمّا وَصِيَّتِي الأَخِيرَةُ، فَهِيَ الأَقسَى:

‏إِذا أَحبَبتَ بَعدِي، فَأَحبِبْ كَما لَو أَنَّ العالَمَ سَيَنتَهِي غَدًا.

‏وَلا تَجعَلْ أَحَدًا يَقِفُ العُمرَ كُلَّهُ فِي غُرفَةِ اِنتِظارٍ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ القِطارَ سَيَصِلُ.

‏لا تَترُكْ قَلبًا مُعَلَّقًا بَينَ البابِ وَالرَّحِيلِ.

‏فَلا شَيءَ يَقتُلُ الإِنسانَ أَكثَرَ مِن أَن يَعِيشَ عَلَى اِحتِمالٍ لا يَأتِي.

‏لَقَد تَعِبتُ…

‏تَعِبتُ مِنَ الوُقوفِ عَلى رَصِيفٍ لا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ.

‏وَتَعِبتُ مِن حَملِ وَردَةٍ ماتَتْ مُنذُ أَعوامٍ وَما زِلتُ أَسقِيها مِن دَمِي.

‏وَتَعِبتُ مِن تَرمِيمِ النُّجومِ الَّتِي كانَتْ تَسقُطُ كُلَّ لَيلَةٍ مِن سَقفِ أَحلامِي، ثُمَّ أَكتَشِفُ أَنَّ السَّماءَ لَم تَكُنْ لِي أَصلًا.

‏لِهٰذا أَكتُبُ وَصِيَّتِي الآن…

‏وَأَترُكُها قُربَ نافِذَةٍ مَفتوحَةٍ لِلرِّيحِ.

‏فَإِن وَصَلَتْ إِلَيكَ، فَقَد تَأَخَّرتَ كَثيرًا.

‏وَإِن لَم تَصِلْ…

‏فَهِيَ تُشبِهُنِي تَمامًا:

‏شَيءٌ ضاعَ فِي الطَّرِيقِ،

‏وَكانَ يَنتَظِرُ أَن يَلتَفِتَ إِلَيهِ أَحَدٌ.

مقالات ذات صلة