الغَدُ الَّذِي يَرْتَدِي وَجْهَ صَدِيقِي لَا أَخَافُ الغَدَ... أَخَافُ ذَلِكَ القِنَاعَ الَّذِي يَجِيءُ بِهِ. فَكُلُّ غَدٍ فِي حَيَاتِي يُشْبِهُ سَاعِيَ بَرِيدٍ أَعْمَى، يَحْمِلُ فِي حَقِيبَتِهِ رَسَائِلَ مِنَ الخَرَابِ، وَيُخْطِئُ العُنْوَانَ عَمْدًا، ثُمَّ يَتْرُكُهَا عِنْدَ بَابِ قَلْبِي وَيَرْحَلُ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الطَّعَنَاتِ تَأْتِي مِنَ الجِهَاتِ البَعِيدَةِ، مِنْ أَفْوَاهِ العَوَاصِفِ وَأَنْيَابِ الغُرَبَاءِ، حَتَّى اكْتَشَفْتُ أَنَّ أَكْثَرَ السَّكَاكِينِ أَدَبًا هِيَ تِلْكَ الَّتِي تَدْخُلُ مِنْ بَابِ الصَّدَاقَةِ بَعْدَ أَنْ تَخْلَعَ حِذَاءَهَا عِنْدَ العَتَبَةِ. صَدِيقِي... ذَلِكَ الَّذِي خَبَّأْتُ عِنْدَهُ أَسْرَارِي كَمَا تُخَبَّأُ القَنَادِيلُ فِي سَرَادِيبِ الكَنَائِسِ القَدِيمَةِ، أَعَادَهَا إِلَيَّ رَمَادًا. كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِنْسَانًا، بَلْ مَنْجَمًا لِلْخُذْلَانِ، كُلَّمَا حَفَرْتُ فِيهِ عَنِ الوَفَاءِ خَرَجَتْ مِنْهُ طَبَقَةٌ جَدِيدَةٌ مِنَ الغُبَارِ. أَمَّا الغَدُ... فَأَرَاهُ وَاقِفًا عِنْدَ الأُفُقِ كَجَلَّادٍ يَتَدَرَّبُ عَلَى اسْمِي. يَحُدُّ سِكِّينَهُ عَلَى عِظَامِ الأُمْنِيَّاتِ، وَيَقِيسُ عُنُقِي بِشَرِيطٍ مِنَ الِانْتِظَارِ الطَّوِيلِ. أَعْرِفُ أَنَّهُ قَادِمٌ. أَسْمَعُ وَقْعَ خُطَاهُ فِي المَفَاصِلِ المُتْعَبَةِ مِنَ الخَيْبَاتِ. وَأَعْرِفُ أَنَّ صَدِيقِي سَيَكُونُ هُنَاكَ، وَاقِفًا إِلَى جَانِبِهِ، كَشَاهِدِ زُورٍ يُصَفِّقُ لِلْكَارِثَةِ وَهِيَ تَعْبُرُ. لَقَدْ تَعِبْتُ مِنْ تَرْمِيمِ ثُقُوبِي. صِرْتُ أُشْبِهُ سَفِينَةً خَاطُوا شِرَاعَهَا بِخُيُوطِ الدُّمُوعِ، ثُمَّ أَجْبَرُوهَا عَلَى الإِبْحَارِ فِي مُحِيطٍ مَصْنُوعٍ مِنَ المِلْحِ وَالجِرَاحِ. وَكُلَّمَا حَاوَلْتُ النَّجَاةَ، ظَهَرَ وَجْهٌ أَعْرِفُهُ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِي، لِيَقْذِفَ فِي صَدْرِي حَجَرًا جَدِيدًا. لِهَذَا لَمْ أَعُدْ أَفْتَحُ نَوَافِذِي لِلْغَدِ. فَالغَدُ عِنْدِي مَقْبَرَةٌ لَمْ تُدْفَنْ فِيهَا الجُثَثُ بَعْدُ. وَلَمْ أَعُدْ أَبْحَثُ عَنِ الأَصْدِقَاءِ. فَبَعْضُ الأَصْدِقَاءِ تَوَابِيتُ تَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ، وَمَا إِنْ تَأْمَنُ لَهَا حَتَّى تَكْتَشِفَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِقَاسَ قَبْرِكَ مُنْذُ البِدَايَةِ.