المقالات والسياسه والادب

رِحْلَةٌ في قِطارٍ

بقلم الكاتبة إيمان نجار

رِحْلَةٌ في قِطارٍ

في المَحَطَّةِ الَّتي لا أعرِفُ لِماذا وَصَلْتُ إليها، كانَ الصَّمْتُ أَكثَرَ ازْدِحامًا مِنَ النّاسِ، وكأنَّ كُلَّ شَيءٍ سَبَقَني إلى الرِّحْلَةِ، وتَرَكَ لي المكانَ مُتأخِّرًا قليلًا لأَلْحَقَ بما لا أعرِفُهُ.

اقْتَرَبْتُ مِنَ الشُّبّاكِ، وقُلْتُ إنِّي أُريدُ تَذْكِرَةً إلى آخِرِ مَحَطَّةٍ، فَلَمْ يَسْأَلْني المُوَظَّفُ عنِ اسْمي كما يَفْعَلونَ عادَةً، بَلْ نَظَرَ إلَيَّ كأنَّهُ يُحاوِلُ أنْ يَتأكَّدَ أنَّني سَأَعودُ مِنْ نَفْسِ الطَّريقِ الَّذي سَأَفْقِدُ فيهِ شَيئًا لا أعرِفُ شَكْلَهُ بَعْدُ، ثُمَّ كَتَبَ شَيئًا لَمْ أَرَهُ، ومَدَّ لي التَّذْكِرَةَ، وقالَ: إنَّ بَعْضَ الرِّحْلاتِ لا تَحْتاجُ إلى عَوْدَةٍ؛ لأنَّها لا تَعْتَرِفُ بأنَّنا نُغادِرُ أَصْلًا.

صَعِدْتُ القِطارَ كَمَنْ يَدْخُلُ فِكْرَةً لَمْ يُقَرِّرْها بَعْدُ، وَجَدْتُ المَقْعَدَ الَّذي يَحْمِلُ رَقْمي، جَلَسْتُ، وتَرَكْتُ حَقيبَتي الصَّغيرَةَ بِجانِبي، كأنَّها آخِرُ مُحاوَلَةٍ لإِقْناعِ نَفْسي أنَّني خَفيفَةٌ بما يَكْفي لأَمُرَّ مِنْ كُلِّ هذا دونَ أنْ يُلاحِظَني أَحَدٌ.

حينَ تَحَرَّكَ القِطارُ، لَمْ أَشْعُرْ بِالبِدايَةِ، بَلْ شَعَرْتُ بأنَّ شَيئًا ما كانَ يَتَحَرَّكُ داخِلي قَبْلَ أنْ يَتَحَرَّكَ الحَديدُ، كأنَّني كُنْتُ أَسْبِقُ الطَّريقَ بِخُطْوَةٍ واحِدَةٍ فَقَطْ كَيْ لا أَرى نَفْسي مُتأخِّرَةً عن شَيءٍ لَمْ أَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ بَعْدُ.

كانَ الرُّكّابُ صامِتينَ بِشَكْلٍ يُثيرُ الشَّكَّ، لَيْسَ لأنَّهُمْ لا يَتَكَلَّمونَ، بَلْ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُمْ كانَ يَبْدو كأنَّهُ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَيْنَ سَيَنْتَهي، بَيْنَما كُنْتُ أنا الوَحيدَةَ الَّتي تَتَصَرَّفُ كأنَّ النِّهايَةَ فِكْرَةٌ قابِلَةٌ لِلتَّفاوُضِ.

في المَحَطَّةِ الأُولى نَزَلَ بَعْضُهُمْ بِهُدوءٍ، لَمْ يُوَدِّعْ أَحَدٌ أَحَدًا، فَقَطْ فَتَحَ البابَ كما لَوْ أنَّ الخُروجَ لَيْسَ فِعْلًا، بَلِ اعْتِرافًا مُتأخِّرًا بأنَّهُمُ انْتَهَوْا مِنْ شَيءٍ لا يُمْكِنُ شَرْحُهُ، وبَقِيتُ أُراقِبُ المَقاعِدَ الَّتي فَرَغَتْ دونَ أنْ أَشْعُرَ أنَّها فَرَغَتْ فِعْلًا، كأنَّ أَصْحابَها لَمْ يُغادِروا، بَلْ غَيَّروا شَكْلَ وُجودِهِمْ فَقَطْ.

ومَعَ كُلِّ مَحَطَّةٍ كانَ العَدَدُ يَقِلُّ، ومَعَ كُلِّ تَوَقُّفٍ كُنْتُ أُلاحِظُ أنَّ القِطارَ لا يَكْبُرُ كما تَوَقَّعْتُ، بَلْ يَضيقُ بِطَريقَةٍ لا يَراها إلّا مَنْ بَقِيَ، كأنَّهُ لا يَتَخَلَّصُ مِنَ النّاسِ، بَلْ يَتَخَلَّصُ مِنَ النُّسْخَةِ الَّتي كانوا عَلَيْها قَبْلَ لَحْظَةِ الفَقْدِ.

حينَ جَلَسَتْ إلى جانِبي امْرَأَةٌ لا أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جاءَتْ، لَمْ أَسْأَلْها؛ لأنَّني بَدَأْتُ أَفْهَمُ أنَّ الأَسْئِلَةَ في هذا القِطارِ لَيْسَتْ لِلْمَعْرِفَةِ، بَلْ لِلتَّأَخُّرِ. كانَتْ تَحْمِلُ حَقيبَةً صَغيرَةً، وتَبْتَسِمُ كَمَنْ جَرَّبَ أنْ يَفْهَمَ الرِّحْلَةَ ثُمَّ قَرَّرَ أنْ يَتْرُكَ الفَهْمَ جانِبًا، وقالَتْ: إنَّنا لا نُسافِرُ هُنا إلى الأَمامِ، بَلْ نَبْتَعِدُ عَمّا نَرْفُضُ الِاعْتِرافَ أَنَّنا فَقَدْناهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ في المَحَطَّةِ التّالِيَةِ دونَ أنْ تَشْرَحَ لِماذا قالَتْ ذلكَ لي بِالضَّبْطِ.

بَعْدَها لَمْ أَعُدْ أَرى الرُّكّابَ كأَشْخاصٍ، بَلْ كأَزْمِنَةٍ قَصيرَةٍ تَمْشي بِجَواري، ثُمَّ تَخْتارُ أنْ تَتَوَقَّفَ فَجْأَةً، وكُلُّ مَقْعَدٍ كانَ يَحْتَفِظُ بِحَرارَةِ غِيابٍ لا يَبْرُدُ بِسُهولَةٍ، وكأنَّ مَنْ جَلَسوا عَلَيْهِ لَمْ يَتْرُكوا أَماكِنَهُمْ، بَلْ تَرَكوا أَسْئِلَتَهُمْ فَقَطْ.

في النِّهايَةِ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ، لا في المَقاعِدِ ولا في المَمَرّاتِ، فَقَطْ أَنا والمُفَتِّشُ الَّذي كانَ يَظْهَرُ في كُلِّ مَرَّةٍ كأنَّهُ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمّا يَجِبُ أنْ يُقالَ. وَقَفَ أَمامي دونَ أنْ يَطْلُبَ التَّذْكِرَةَ هذِهِ المَرَّةَ، بَلْ قالَ: إنَّنا وَصَلْنا. فَقُلْتُ: إنَّني لا أَرى شَيئًا يُشْبِهُ الوُصولَ. فَقالَ: إنَّ الوُصولَ لَيْسَ مَكانًا، بَلْ لَحْظَةً نَكُفُّ فيها عَنِ انْتِظارِ ما لَنْ يَأْتي، ثُمَّ أَشارَ إلى المَقْعَدِ المُقابِلِ الَّذي ظَلَّ فارِغًا طَوالَ الرِّحْلَةِ.

حينَ نَظَرْتُ إلَيْهِ، لَمْ أَرَ فَراغًا، بَلْ رَأَيْتُ شَيئًا يُشْبِهُ حُضورًا مُتأخِّرًا، كأنَّ المَقْعَدَ كانَ يَعْرِفُ صاحِبَهُ أَكْثَرَ مِنِّي، فَسَأَلْتُ: لِماذا هذا المَقْعَدُ لَمْ يُشْغَلْ طَوالَ الطَّريقِ؟ فَأَجابَني بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ: إنَّ بَعْضَ المَقاعِدِ لا تُتْرَكُ فارِغَةً، بَلْ تُتْرَكُ بَعْدَ أنْ يُغادِرَها مَنْ كانَ يَمْلَؤُها دونَ أنْ يَنْهَضَ.

في تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَعادَ لي التَّذْكِرَةَ. لَمْ تَكُنْ مُخْتَلِفَةً عَنِ الأُولى، لكنَّني حينَ قَلَبْتُها وَجَدْتُ أنَّ اسْمَ الوِجْهَةِ لَمْ يَكُنْ مَدينَةً ولا مَحَطَّةً، بَلِ اسْمًا كُنْتُ أَظُنُّهُ تَفْصيلًا عابِرًا في الرِّحْلَةِ. ثُمَّ فَهِمْتُ فَجْأَةً أنَّ كُلَّ هذا القِطارِ لَمْ يَكُنْ يَتَحَرَّكُ بَيْنَ أَماكِنَ، بَلْ بَيْني وبَيْنَ الشَّخْصِ الَّذي كُنْتُ أَظُنُّ أنَّني أَراهُ في المَقْعَدِ المُقابِلِ كُلَّ مَرَّةٍ أَرْفَعُ فيها رَأْسي، وأنَّني مُنْذُ البِدايَةِ لَمْ أَكُنْ مُسافِرَةً، بَلْ كُنْتُ أُواصِلُ الطَّريقَ بَعْدَ أنْ نَزَلَ هُوَ في مَحَطَّةٍ لَمْ أُلاحِظْها؛ لأنَّني كُنْتُ مَشْغولَةً بِالِاعْتِقادِ أَنَّهُ ما زالَ جالِسًا هُناكَ.

مقالات ذات صلة