المقالات والسياسه والادب

الَّتِي لَمْ أَكُنْهَا

بقلم الكاتبة إيمان نجار

الَّتِي لَمْ أَكُنْهَا

‏صافَحْتُ رَجُلًا قالَ إنَّهُ يَعْرِفُنِي مُنْذُ أَعْوامٍ.

‏ابْتَسَمَ بِثِقَةٍ لا يَمْلِكُها إلَّا الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ لا تُخْطِئُ.

‏حَدَّثَنِي عَنِ امْرَأَةٍ كانَتْ تَضْحَكُ كَثِيرًا، وَتُخْفِي وَجَعَها بِبَراعَةٍ، وَتُؤْمِنُ أَنَّ الغَدَ يَحْمِلُ دائِمًا فُرْصَةً أُخْرَى.

‏أَصْغَيْتُ إِلَيْهِ طَوِيلًا…

‏ثُمَّ الْتَفَتُّ أَبْحَثُ عَنْها بَيْنَ مَلامِحِي، فَلَمْ أَجِدْها.

‏وَفِي مَساءِ اليَوْمِ نَفْسِهِ، الْتَقَيْتُ امْرَأَةً أُخْرَى، احْتَضَنَتْنِي باكِيَةً، وَقالَتْ:

‏«اشْتَقْتُ إِلَى قَلْبِكِ الطَّيِّبِ.»

‏ابْتَسَمْتُ لَها بِحَيْرَةٍ…

‏لِأَنَّنِي لَمْ أَتَذَكَّرْ مَتَى كُنْتُ طَيِّبَةً إِلَى هَذَا الحَدِّ.

‏وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، بَدَأْتُ أَلْتَقِي بِنِساءٍ يَحْمِلْنَ اسْمِي.

‏إِحْداهُنَّ شُجاعَةٌ.

‏وَأُخْرَى لا تَعْرِفُ سِوَى الخَوْفِ.

‏وَثالِثَةٌ لا تَكُفُّ عَنِ الضَّحِكِ.

‏وَرابِعَةٌ لَمْ تَفْعَلْ فِي حَياتِها سِوَى البُكاءِ.

‏وَكُلَّما نَظَرْتُ فِي وُجُوهِهِنَّ…

‏اكْتَشَفْتُ أَنَّهُنَّ جَمِيعًا أَنَا…

‏وَلَمْ تَكُنْ واحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَنَا كامِلَةً.

‏لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ أَيَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ عاشَتْ حَياتِي…

‏وَلا أَيُّهُنَّ اخْتَلَقَتْها ذاكِرَةُ الآخَرِينَ.

‏كُنْتُ كُلَّما غادَرْتُ شَخْصًا، ظَنَنْتُ أَنَّنِي تَرَكْتُ وَراءِي حَدِيثًا عابِرًا، أَوْ ضَحْكَةً يَتِيمَةً، أَوْ ذِكْرَى سَتَبْهَتُ مَعَ الوَقْتِ.

‏لَكِنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّنِي، فِي كُلِّ وَداعٍ، كُنْتُ أَتْرُكُ امْرَأَةً كامِلَةً.

‏امْرَأَةً لا تَشِيخُ…

‏وَلا تَكْبَرُ…

‏وَلا تَعْرِفُ عَنِّي شَيْئًا سِوَى اللَّحْظَةِ الَّتِي وُلِدَتْ فِيها داخِلَ قَلْبٍ ما.

‏لِهَذا، كانَ كُلُّ مَنْ يَلْتَقِينِي يُحَدِّثُنِي عَنْ امْرَأَةٍ لا أَعْرِفُها.

‏واحِدٌ يَراها قَوِيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ انْكِسارِي.

‏وَآخَرُ يَصِفُها بِالضَّعْفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ إِلَّا سُقُوطَها.

‏وَثالِثٌ يُقْسِمُ أَنَّها لا تَخافُ شَيْئًا…

‏بَيْنَما ما زِلْتُ أَتَذَكَّرُ لَيالِيَ كُنْتُ أَرْتَجِفُ فِيها مِنْ فِكْرَةِ الغَدِ.

‏وَحِينَ حاوَلْتُ أَنْ أَجْمَعَ تِلْكَ النِّساءِ فِي امْرَأَةٍ واحِدَةٍ…

‏اكْتَشَفْتُ أَنَّنِي أَبْحَثُ عَنْ نَفْسِي فِي أَماكِنَ لَمْ أَعُدْ أَعِيشُ فِيها.

‏فَأَنَا لَمْ أَكُنْ أُقِيمُ فِي ذاكِرَتِي وَحْدَها…

‏بَلْ كُنْتُ أَسْكُنُ ذاكِرَةَ كُلِّ مَنْ مَرَّ بِي، ثُمَّ غادَرْتُهُ، تارِكَةً عِنْدَهُ نُسْخَةً لا تَعْرِفُ أَنَّ الزَّمَنَ مَضَى بَعْدَها.

‏تَوَقَّفْتُ أَخِيرًا عَنْ سُؤالِ النَّاسِ مَنْ كُنْتُ.

‏فَكُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ كانَ يُجِيبُ عَنْ نَفْسِهِ… لا عَنِّي.

‏كانَ يَرانِي مِنْ نافِذَتِهِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى البَيْتَ كُلَّهُ.

‏وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ كاذِبًا…

‏لَكِنَّ الحَقِيقَةَ كانَتْ أَكْبَرَ مِنْ ذاكِرَةٍ واحِدَةٍ.

‏أَدْرَكْتُ أَنَّ الإِنْسانَ لا يَتْرُكُ أَثَرَهُ فِي الطُّرُقاتِ الَّتِي يَمْشِيها…

‏بَلْ فِي العُيُونِ الَّتِي نَظَرَتْ إِلَيْهِ.

‏وَأَنَّنا، مُنْذُ وِلادَتِنا، نَكْتُبُ نُسَخًا مِنْ أَنْفُسِنا فِي قُلُوبِ الآخَرِينَ، ثُمَّ نَمْضِي قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ ماذا كُتِبَ عَنَّا.

‏وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ…

‏لَمْ أَعُدْ أَسْأَلُ أَحَدًا: هَلْ تَتَذَكَّرُنِي؟

‏بَلْ كُنْتُ أَسْأَلُ نَفْسِي فِي صَمْتٍ:

‏أَيَّةُ امْرَأَةٍ سَتَرْحَلُ مَعَهُ هَذِهِ المَرَّةَ؟

‏فلم أعد أبحث عن المرأة التي كنتُها.

‏يكفيني أن أعرف أنّني لم أكن امرأةً واحدةً يومًا.

‏كنتُ مدينةً صغيرةً…

‏كلُّ من عبرها، أخذ شارعًا معه.

‏ولهذا، كلّما حاولتُ العودة إلى نفسي…

‏وجدتُ الخرائط ناقصة.

مقالات ذات صلة