في مشهد قضائي دراماتيكي، اهتزت قاعة محكمة سان إيسيدرو خلال الجلسة 32 من قضية وفاة الأسطورة الأرجنتيني دييجو أرماندو مارادونا، مع إدلاء شاهدين محوريين بشهادات صادمة كشفت تفاصيل جديدة عن الإهمال الطبي الذي أحاط بأيامه الأخيرة، فبين تحذيرات المدلك نيكولاس تافاريل من تورم عينَي مارادونا ، واعترافات الممرض ريكاردو ألميرون عن الليلة الأخيرة، تتكشف صورة مروعة لرعاية صحية فاشلة.
المدلك يحذر.. والأطباء يتجاهلون
بدأت الجلسة بشهادة نيكولاس تافاريل، المدلك والمعالج اليدوي الذي رافق مارادونا منذ 2017، واصفًا العلاقة التي جمعته بالنجم بأنها “تجاوزت المهنة إلى الصداقة”. وكشف تافاريل أن مارادونا كان يعاني من تورم شديد في الأطراف السفلية منذ خروجه من عيادة أوليفوس، وأن هذه الحالة تفاقمت خلال الأيام الأخيرة في منزل تيجري.
وقدم تافاريل للمحكمة سلسلة من الرسائل النصية والمسجلات الصوتية التي كان يبعثها إلى الجراح ليوبولدو لوكي، المتهم الرئيسي في القضية، محذرًا فيها من تدهور حالة المريض. وكان أبرز هذه التحذيرات رسالة بتاريخ 17 نوفمبر 2020، وصف فيها تافاريل عيني مارادونا بأنهما “منتفختان”، مع تورم عام في الجسم، مضيفًا أن النجم كان راقدًا في الفراش لأكثر من 26 ساعة متواصلة دون حراك، مما ينذر بخطر الإصابة بالوذمة الرئوية.
وبحسب تافاريل، كان رد لوكي متشائمًا: “سيزول الأمر عندما ينهض”، لكن الحالة لم تتحسن بل تفاقمت، كما أشار المدلك إلى أن مارادونا كان يعاني من ارتجاف خفيف في يديه، وأصبحت نكاته غير مفهومة، في مؤشرات إضافية على تدهور وظائف المخ والجهاز العصبي.
وأكد تافاريل أن الممرضات أخبرنه بأن مارادونا توقف عن تناول مدرات البول التي كان يستخدمها في العيادة، دون أن يعرفن من المسؤول عن إيقافها. وتساءل المدلك أمام المحكمة: “كيف يُترك مريض بهذا التورم دون تدخل طبي؟”.
وفي شهادته المؤثرة، أوضح تافاريل أنه حاول التنبيه عبر عدة جهات، إذ أبلغ صديقة مارادونا فيرونيكا أوخيدا، ومكسيميليانو بومارجو، وجوني إسبوزيتو، بشأن خطر الوذمة الرئوية، لكن لم يتخذ أي إجراء جدي. وعند سؤاله عما إذا كان يعتقد أنه كان بإمكانه إنقاذ حياة مارادونا، قال بصوت مبحوح: “أنا من خلال ما رأيته، أعتقد أنني فعلت الكثير”.
وفي لحظة مثيرة، كشف تافاريل أن آخر كلمات سمعها من مارادونا كانت قبل يوم من وفاته، حين دخل غرفته ليحفزه على النهوض قائلًا: “هيا يا عشرة، تحرك قليلًا، وتناول بعض المر”، فرد عليه النجم بكلماتٍ أيقظت الحاضرين: “لا أريد شيئًا يا تافيتا، انتهى الأمر، وعندما سأله المدلك: “انتهى الأمر ماذا؟”، أجاب مارادونا: “لا شيء، انتهى الأمر فقط”.
الممرض يكشف الليلة الأخيرة
بعد تافاريل، حان دور الممرض المتهم ريكاردو ألميرون الذي كان الوحيد بين المتهمين السبعة لم يدلِ بشهادته بعد. ووقف ألميرون ليقدم رواية تفصيلية عن الليلة التي سبقت وفاة مارادونا، محاولًا تبرئة نفسه من تهم الإهمال.
بدأ ألميرون بسرد تحذيراته المبكرة، حين لاحظ يوم 13 نوفمبر تورمًا في قدم مارادونا اليمنى، وطلب المريض مدرًا للبول، لكن ألميرون أخبر ابن أخ مارادونا، الذي استشار الطبيبة النفسية أجوستينا كوساتشوف، فأبلغته بأن المدر “غير موصوف طبيًا”، واكتفوا برفع القدم على وسائد.
وتابع ألميرون: منذ 16 نوفمبر، بدأت نوباتي الليلية، وكان المريض يعاني من فقدان تام للشهية، ويرفض الطعام والاستحمام. لكن في 20 نوفمبر، تحسنت حالته مؤقتًا، وخرج في جولة قصيرة بالسيارة، وطلب زيارة روكيو أوليفا، لكن طلبه رُفض.
وفي ليلة 24 نوفمبر، التي كانت الأخيرة في حياة مارادونا، بدأ ألميرون نوبته عند الساعة 7 مساءً. ودخل غرفة المريض عند 9:30 مساءً برفقة ابن أخيه والحارس والطباخة، وقدم الأدوية والسوائل. وسجل علامات حيوية: نبض سريع ونسبة أكسجين 98% ، ولاحظ أن قميص مارادونا مبلل بالعرق، لكنه رفض تغييره.
وقال ألميرون: في الساعة 2:30 فجرًا، نهض مارادونا وذهب إلى الحمام، فرافقته ولاحظت أن التبول طبيعي، ثم أعدته إلى سريره. وطوال الليل، كنت أفتح باب الغرفة الزجاجي برفق لأراقب تنفسه من بعيد، لأتأكد من انتظام الشهيق والزفير.
وفي الساعة 6:30 صباحًا، غادر ألميرون المنزل بعد تسليم المهمة للممرضة جيزيلا مدريد، مقتنعًا بأن مارادونا ينام بهدوء. لكن عند الظهر، عُثر على الأسطورة ميتًا في سريره.
إدانة ضمنية واتهامات متبادلة
دفاع ألميرون ركز على أنه نفذ التعليمات، ولم تكن لديه صلاحية تجاوز أوامر الأطباء. لكن النيابة ترى أن تجاهل العلامات التحذيرية – التورم، فقدان الشهية، التسرع القلبي – يشكل إهمالاً جنائيًا، وكان بإمكانه الضغط لنقل المريض للمستشفى.
وتأتي هذه الشهادات لتضيف وزنًا كبيرًا لقضية النيابة التي تتهم الفريق الطبي بقتل مارادونا خطأً، ومن المنتظر أن تستمع المحكمة لخبراء اللجنة الطبية في الجلسات المقبلة، لتحسم ما إذا كان الإهمال هو السبب المباشر للوفاة، أم أن الأطباء تصرفوا ضمن المعايير المهنية المتاحة.
سياق المحاكمة وتوقعات النهاية
تُعد محاكمة وفاة مارادونا واحدة من أكثر القضايا متابعة في التاريخ الرياضي، حيث يتابعها الملايين حول العالم، مع تمسك عائلة الأسطورة بإنزال أشد العقوبات على المتهمين، الذين قد يواجهون أحكامًا بالسجن تصل إلى 25 عامًا.
وفي الوقت الذي تتباين فيه الروايات بين الاتهام بالتقصير والدفاع بالبراءة، تبقى صورة مارادونا – بألقابه وإنجازاته وأخطائه – حاضرة بقوة في كل جلسة، وكأنه لا يزال يراقب من مكانه في قلوب عشاقه، منتظرًا أن تنصفه العدالة الإنسانية بعد أن خذله الأطباء في أيامه الأخيرة.