الوعي والثقافة حين تتجاوز المعرفة حدودها

الوعي والثقافة حين تتجاوز المعرفة حدودها
بقلم: نور شاكر
كثيرًا ما نستخدم كلمتي الوعي والثقافة وكأنهما شيء واحد، فنصف الإنسان المثقف بأنه واعٍ، ونظن أن كثرة القراءة وتراكم المعلومات دليل كافٍ على عمق الوعي، غير أن الحقيقة أكثر اتساعًا من ذلك، فالثقافة والوعي يلتقيان في الإنسان لكنهما لا يتطابقان، وقد يمتلك المرء قدرًا واسعًا من الثقافة بينما يظل وعيه محدودًا، كما قد يكون الإنسان قليل التحصيل الأكاديمي لكنه يمتلك وعيًا عميقًا بالحياة والناس وذاته
الثقافة في جوهرها هي ما يكتسبه الإنسان من معرفة وفكر وتجارب وفنون وآداب وعلوم، وهي حصيلة ما يقرأه ويسمعه ويتعلمه ويختبره في حياته، إنها اتساع في دائرة المعرفة وقدرة على التعرف إلى الأفكار والحضارات والآراء المختلفة، ولذلك يمكن أن يكون الإنسان واسع الثقافة لأنه قرأ كثيرًا واطلع على مجالات متعددة
أما الوعي فهو شيء آخر، إنه الطريقة التي يفهم بها الإنسان ما يعرفه، وكيف يربط المعرفة بالواقع، وكيف يدرك ذاته والآخرين والظروف المحيطة به، وكيف يراجع أفكاره حين يكتشف خطأها، وكيف يميز بين الحقيقة والانطباع، وبين الرأي والمعلومة، وبين ما يريده هو وما يفرضه عليه الآخرون
ولهذا يمكن أن نجد شخصًا يحفظ عشرات الكتب ويستشهد بأقوال الفلاسفة والأدباء، لكنه يعجز عن احترام اختلاف الآخرين، أو يرفض أي فكرة لا تشبه أفكاره، أو يحكم على الناس من مظهرهم وانتماءاتهم وتجاربهم، فهذه وفرة في المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة في الوعي
وقد نجد في المقابل إنسانًا لم تتح له فرصة القراءة الواسعة، لكنه تعلم من الحياة كيف يصغي قبل أن يحكم، وكيف يعترف بجهله حين لا يعرف، وكيف يحترم اختلاف الآخرين، وكيف يتحمل مسؤولية قراراته، وكيف يراجع نفسه عندما يخطئ، وهذا شكل من أشكال الوعي قد لا تقيسه الشهادات ولا عدد الكتب الموجودة على الرفوف
الثقافة إذن تجيب عن سؤال ماذا تعرف بينما الوعي يقترب من سؤال ماذا تفعل بما تعرف
فقد يعرف الإنسان أن الكلمة قد تؤذي، لكن الوعي يجعله ينتبه إلى أثر كلماته قبل أن ينطق بها
وقد يعرف أن الاختلاف طبيعي، لكن الوعي يجعله قادرًا على احترام المختلف دون أن يشعر بأن اختلاف الآخر تهديد له
وقد يقرأ الإنسان عن التسامح والرحمة والحوار، لكن الوعي يظهر عندما تتحول هذه المفاهيم من صفحات مقروءة إلى سلوك يومي
ومن هنا فإن الثقافة يمكن أن تكون مادة يبني منها الوعي نفسه، لكنها ليست الوعي ذاته، فالمعرفة عندما تتراكم دون تأمل قد تتحول إلى معلومات، والمعلومات حين تقترن بالفهم والنقد والتجربة والمسؤولية تتحول إلى وعي
وليس كل مثقف واعيًا، كما أن الوعي لا يعني رفض الثقافة أو الاستغناء عنها، بل إن أعمق صور الوعي تحتاج إلى معرفة، لأن الإنسان لا يستطيع أن يفهم العالم جيدًا إذا أغلق أبواب التعلم أمامه
المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقافة إلى وسيلة للتفاخر بدل أن تكون وسيلة للفهم، وعندما تتحول المعرفة إلى سلطة على الآخرين بدل أن تكون طريقًا لمراجعة الذات، فهناك فرق كبير بين من يقرأ لكي يثبت أنه يعرف، ومن يقرأ لأنه يدرك أن العالم أكبر من معرفته
الثقافة قد توسع أفق الإنسان، أما الوعي فيعلمه كيف يسير داخل هذا الأفق
الثقافة تمنح الإنسان مفاتيح كثيرة، والوعي يعلمه أي الأبواب تستحق أن تُفتح
الثقافة تزيد ما في العقل من معرفة، والوعي يعيد ترتيب هذه المعرفة بحيث تصبح أكثر قدرة على فهم الحياة
ولعل أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يجمع بين الاثنين، فيكون مثقفًا لا يكتفي بجمع المعلومات، وواعيًا لا يكتفي بالحدس والتجربة، بل يجعل من المعرفة وسيلة لفهم أعمق، ومن الوعي وسيلة لاستخدام المعرفة بحكمة
فالغاية ليست أن نعرف أكثر فحسب، وإنما أن نفهم أكثر، وأن نرى أبعد، وأن نحكم بعدل، وأن نختلف دون أن نتحول إلى خصوم، وأن نمتلك الشجاعة الكافية لنراجع أفكارنا كما نراجع أفكار الآخرين
عندها تصبح الثقافة نورًا في العقل، ويصبح الوعي بصيرةً في الطريق
لأن الإنسان المثقف قد يعرف كثيرًا، أما الإنسان الواعي فيعرف كيف يتعامل مع ما يعرف، ومتى يشك فيما يظنه يقينًا، ومتى يصمت، ومتى يسأل، ومتى يعترف بأنه لا يعرف
وهنا تحديدًا تبدأ الثقافة الحقيقية في مغادرة الكتب لتصبح جزءًا من الإنسان



