سلسلة أفلام «التطهير» الأمريكية

سلسلة أفلام «التطهير» الأمريكية
كتب / محمود البيومي
ممكن في البداية تبان مجرد أفلام عن العنف والفوضى والبقاء، لكن لو بصينا لها من زاوية علم النفس هنلاقي إنها بتفتح أسئلة أعمق بكتير عن الإنسان والمجتمع والحاجات اللي ممكن تكون مستخبية جوانا. فكرة الفيلم الأساسية مرعبة لأنها بتفترض إن فيه ليلة واحدة بتختفي فيها القوانين والعقوبات والمحاسبة، وبالتالي الإنسان بيبقى قدامه مساحة يعمل فيها اللي هو عايزه من غير العواقب المعتادة. وهنا بيبدأ السؤال النفسي الحقيقي: هل سلوك الإنسان بيتحدد بس بشخصيته ورغباته، ولا البيئة والقوانين ونظرة المجتمع ليه بتلعب دور كبير في التحكم في تصرفاته؟ من أكتر الحاجات اللي ممكن نلاحظها في الفيلم مفهوم اسمه الانفصال الأخلاقي. الإنسان ممكن أحيانًا يبرر لنفسه تصرفات غلط عن طريق إنه يقنع نفسه إن اللي بيعمله له سبب أو مبرر، زي الانتقام أو الخوف أو الدفاع عن النفس أو حتى الاعتقاد إنه بيعمل حاجة لمصلحة أكبر. كمان الفيلم بيلمس فكرة فقدان الإحساس بالمسؤولية الفردية لما الإنسان يكون جزء من مجموعة أو حاسس إنه مجهول ومحدش هيحاسبه، وده ممكن يغير طريقة تصرفه بشكل كبير. لكن يمكن أعمق حاجة في «التطهير» هي فكرة المشاعر المكبوتة. الغضب، الحقد، الغيرة، الإحساس بالظلم، الإهانة، الخوف والرغبة في الانتقام مشاعر ممكن تظهر عند أي إنسان بدرجات مختلفة، لكن وجود الشعور مش معناه إن الإنسان هيتصرف بناءً عليه. هنا بيظهر دور الوعي وضبط النفس والقيم والتربية والخبرة والعلاقات الإنسانية في تنظيم السلوك. ودي نقطة مهمة جدًا، لأن وجود فكرة عدوانية أو مشاعر غضب مش معناها إن الشخص إنسان عنيف أو إنه عايز يؤذي حد. الفرق الحقيقي بيظهر في الطريقة اللي الإنسان بيتعامل بيها مع مشاعره وأفكاره. عشان كده، بالنسبة للأخصائي النفسي، «التطهير» ممكن يكون مدخل مثير للنقاش عن العدوان، والتنظيم الانفعالي، والتأثير الاجتماعي، والخوف، والسلطة، والهوية، والتبرير الأخلاقي والسلوك الإنساني. وبالنسبة للشخص العادي، الفيلم ممكن يخلينا نسأل سؤال أبسط وأهم: قد إيه إحنا بنتصرف بالطريقة اللي بنتصرف بيها بسبب قيمنا فعلًا، وقد إيه بسبب القوانين والعواقب ونظرة الناس لينا؟ «التطهير» طبعًا مش دراسة علمية للإنسان، ومينفعش نعتبر أحداثه دليل إن البشر بطبيعتهم عنيفين. هو مجرد سيناريو خيالي متطرف بيخلينا نبص على جوانب حقيقية في النفس البشرية بطريقة مختلفة. ويمكن أكتر سؤال يستحق التفكير مش «إنت كنت هتعمل إيه في ليلة التطهير؟» لكن «إزاي بتتعامل كل يوم مع الغضب والخوف والانتقام والحاجات اللي جواك ومش بتظهرها للناس؟» لأن النضج النفسي مش معناه إننا مفيش جوانا مشاعر صعبة، لكن إننا نعرف نفهمها وننظمها ونختار تصرفاتنا بدل ما مشاعرنا هي اللي تختار بالنيابة عننا.



