عقلانية لا تشبه القطيع

عقلانية لا تشبه القطيع
بقلم : نور شاكر
أنا عقلانية، لكن عقلانيتي لا تتبع المنطق التقليدي بالضرورة. لا أقصد بذلك أنني أرفض المنطق أو أؤمن بالتناقض لمجرد التمرد، بل أقصد أنني لا أتعامل مع القواعد الفكرية الجاهزة باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل المراجعة. أنا أبني لنفسي، مع الوقت والتجربة، منظومة منطقية خاصة بي؛ منظومة تتشكل من أسئلتي، وملاحظاتي، وقناعاتي، وما أراه متسقًا مع فهمي للحياة.
بالنسبة لي، التفكير لا يعني أن أبحث دائمًا عن الإجابة التي يتفق عليها الجميع، بل أن أفهم لماذا اتفقوا عليها أصلًا. فانتشار فكرة ما لا يجعلها صحيحة، وشيوع سلوك معين لا يمنحه بالضرورة صفة الصواب. قد أجد نفسي متفقة مع الأغلبية في بعض الأمور، لكن اتفاقي معها يجب أن يكون نتيجة اقتناع، لا نتيجة خوف من الاختلاف أو رغبة في الانتماء.
لهذا لا أتبع الترند لمجرد أنه ترند، ولا أتبنى الأفكار لأنها تحظى بتصفيق جماعي. لا تعنيني كثيرًا فكرة أن «الجميع يفعلون ذلك»، لأن سؤالًا واحدًا يظل حاضرًا في ذهني: وماذا لو كان الجميع مخطئين؟
ثقافة القطيع تقوم غالبًا على سرعة التلقي وسهولة التكرار؛ فكرة تظهر، تنتشر، ثم يبدأ الناس في تبنيها قبل أن يمنحوا أنفسهم فرصة كافية للتفكير فيها. أما أنا فأميل إلى التوقف قليلًا، ومراقبة الفكرة من الخارج، وتفكيكها، ثم تحديد موقفي منها بنفسي.
وهذا لا يعني أنني أعتبر نفسي دائمًا على حق. على العكس، من أهم قواعد منظومتي أنني أحتفظ بحقي في تغيير رأيي عندما تظهر أمامي حجة أقوى أو معلومة جديدة. فالاستقلال الفكري لا يعني التمسك بالرأي مهما كانت الأدلة، بل يعني أن يكون سبب اقتناعي هو ما يحدد موقفي، لا عدد الأشخاص الذين يقفون في الجهة الأخرى.
قد يبدو منطقي أحيانًا غريبًا لمن اعتادوا القوالب الفكرية المألوفة. وربما تبدو بعض قناعاتي غير منسجمة مع ما يعتبره المجتمع «طبيعيًا» أو «بديهيًا». لكنني لا أرى في الغرابة مشكلة بحد ذاتها. فالفكرة لا تصبح خاطئة لأنها غير مألوفة، كما أنها لا تصبح صحيحة لأنها مألوفة.
أنا لا أبحث عن الاختلاف من أجل الاختلاف، ولا أعتبر رفض الجماعة إنجازًا بحد ذاته. إذا اقتنعت بشيء، سأتبناه حتى لو خالف الجميع، وإذا وجدت أن رأي الأغلبية أكثر اتساقًا مع الأدلة، فلن أرفضه فقط لأنني أكره السير مع الجماعة.
ما أرفضه هو أن يصبح الانتماء بديلًا عن التفكير.
أريد أن تكون آرائي اختيارات واعية، لا انعكاسات تلقائية للبيئة المحيطة بي. أريد أن أعرف لماذا أؤمن بما أؤمن به، ولماذا أرفض ما أرفضه، وأن أكون مستعدة لإعادة النظر في الاثنين.
في النهاية، استقلالي الفكري لا يعني أنني أمتلك «الحقيقة الخاصة بي»، فالحقيقة ليست ملكًا شخصيًا لأحد. لكنه يعني أنني أمتلك مسؤوليتي الخاصة عن طريقة تفكيري؛ أختبر الأفكار، وأشكك فيها، وأقبلها أو أرفضها وفق منظومة أراها متماسكة، مع إبقاء الباب مفتوحًا دائمًا لاحتمال أن أكون مخطئة.
لذلك، نعم، أنا عقلانية، لكن عقلانيتي ليست نسخة جاهزة من عقلانية الآخرين.
أنا لا أريد عقلًا يردد ما قيل له، ولا عقلًا يعارض كل شيء لمجرد المعارضة.
أريد عقلًا يفكر قبل أن يتبع، ويسأل قبل أن يصدق، ويغيّر رأيه عندما يجد سببًا يستحق التغيير.



