بعد انهيار الجنيه كيف يخرج السودان من دوامة هذا الانهيار وغلاء المعيشة؟

بعد انهيار الجنيه كيف يخرج السودان من دوامة هذا الانهيار وغلاء المعيشة؟
متابعة/ عبده الشربيني
إنقاذ العملة السودانية يتطلب وقف الحرب واستعادة الإنتاج والصادرات، إلى جانب حماية المواطنين من الجوع والفقر وإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي ولم يعد انهيار الجنيه السوداني مجرد أزمة في سعر الصرف، بل تحول إلى أزمة اقتصادية ومعيشية متكاملة، تتداخل فيها تداعيات الحرب مع تراجع الإنتاج والصادرات، ونقص العملات الأجنبية، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
ومع هبوط الجنيه إلى نحو 10 آلاف جنيه مقابل الدولار في السوق الموازية، وفقاً لما أوردته وكالة رويترز في 21 أكتوبر 2026، تتزايد الضغوط على الأسر السودانية، في وقت تتراجع فيه قدرة الاقتصاد على توفير السلع الأساسية وخلق فرص العمل وتأمين احتياجات السكان. وأمام هذه التطورات، لم يعد السؤال الأهم هو كيفية خفض سعر الدولار بقرار حكومي، بل كيف يمكن استعادة قدرة الاقتصاد السوداني على الإنتاج والتصدير وتوفير النقد الأجنبي، بالتزامن مع تخفيف معاناة المواطنين. فاستقرار العملة لا يتحقق بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما يحتاج إلى اقتصاد منتج، ومالية عامة منضبطة، ونظام مصرفي موثوق، وبيئة أمنية تسمح بعودة النشاط التجاري والاستثماري.
حماية المواطن أولوية عاجلة
تتمثل الخطوة الأولى في تأمين الغذاء والدواء والوقود، وتسهيل استيراد القمح والدقيق والذرة والزيوت والأدوية ومدخلات الإنتاج، مع مراجعة الرسوم والضرائب غير الضرورية التي ترفع تكاليف السلع قبل وصولها إلى المستهلك. كما ينبغي إنشاء آلية شفافة لتوفير النقد الأجنبي للمستوردين المعتمدين، وفق أولويات معلنة تضمن وصول الدولار إلى السلع الأساسية والقطاعات الإنتاجية، بدلاً من ترك السوق رهينة نقص المعروض والمضاربات والممارسات الاحتكارية.
وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية تقديم دعم نقدي مباشر للأسر الأشد فقراً والنازحين والمتضررين من الحرب، وربط قيمة التحويلات بتغير تكاليف المعيشة، مع توفير مساعدات غذائية مباشرة في المناطق التي تعطلت فيها الأسواق أو تعذر وصول الإمدادات إليها. ومن الضروري أيضاً خفض تكاليف النقل والتخزين والتأمين، ومكافحة تعدد الجبايات على الطرق، وفتح مسارات آمنة للتجارة الداخلية. فأسعار السلع لا تتأثر بسعر الدولار وحده، بل بتكلفة نقلها وتوافرها ومستوى المنافسة في الأسواق.
استعادة الإنتاج مفتاح استقرار الجنيه
على المدى المتوسط والطويل، لن يتمكن السودان من استعادة استقرار عملته دون زيادة الإنتاج المحلي والصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات حيثما أمكن. وتمثل الزراعة إحدى أهم الفرص المتاحة، بالنظر إلى ما يمتلكه السودان من أراضٍ زراعية وموارد مائية وإمكانات في إنتاج الحبوب والمحاصيل النقدية والثروة الحيوانية.
ويتطلب استثمار هذه الإمكانات توفير البذور والأسمدة والوقود والتمويل الموسمي للمزارعين، وإعادة تأهيل مشروعات الري والمخازن والصوامع، وتحسين طرق نقل المحاصيل من مناطق الإنتاج إلى الأسواق والموانئ. كما ينبغي دعم إنتاج القمح والذرة والسمسم والصمغ العربي والقطن، وإعادة تشغيل الصناعات الغذائية والدوائية، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة القادرة على توفير فرص العمل وزيادة المعروض المحلي. ويسهم هذا التوجه في تحقيق هدفين متزامنين: تخفيف فاتورة الاستيراد وتوفير السلع بأسعار أكثر استقراراً، وزيادة فرص الحصول على العملات الأجنبية من خلال التوسع في الصادرات.
الذهب وتحويلات المغتربين.. موارد مهمة للدولار
يمثل توفير النقد الأجنبي أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد السوداني، ولذلك ينبغي التركيز على الموارد الحقيقية القادرة على دعم سوق الصرف، بدلاً من الاعتماد على الإجراءات الإدارية وحدها.
وفي مقدمة هذه الموارد الذهب، الذي يتطلب تنظيم إنتاجه وشرائه وتصديره، وتسهيل التجارة المشروعة عبر القنوات الرسمية بأسعار تنافسية، مع تعزيز الرقابة على سلاسل التوريد والحد من التهريب
كما يمكن زيادة عائدات الصادرات الزراعية والحيوانية من خلال تبسيط إجراءات التصدير، وتحسين الخدمات البيطرية والتخزين والشحن، ورفع جودة المنتجات وقدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وتشكل تحويلات السودانيين العاملين في الخارج مورداً إضافياً مهماً يمكن تعظيم الاستفادة منه عبر توفير قنوات مصرفية آمنة وسريعة، وخفض رسوم التحويل، وتقديم أسعار صرف تنافسية تشجع على تحويل الأموال من خلال النظام المصرفي الرسمي. كذلك، يمكن للتمويل العربي والدولي أن يساعد في تأمين الواردات الأساسية وإعادة تشغيل المشاريع الإنتاجية، شريطة توجيهه إلى قطاعات الغذاء والصحة والزراعة والطاقة والمياه، وإخضاعه لرقابة مالية واضحة تمنع تسربه إلى المضاربات والأنشطة غير المنتجة.
إصلاح المالية العامة دون تحميل الفقراء التكلفة
لا يمكن معالجة انهيار الجنيه دون إصلاح المالية العامة، والحد من تمويل العجز بالتوسع النقدي غير المدعوم بزيادة الإنتاج والإيرادات، لأن ذلك قد يرفع الطلب على الدولار ويغذي موجات التضخم.
ويتطلب الإصلاح مراجعة الإنفاق الحكومي غير الضروري، وتحسين تحصيل الإيرادات، ومكافحة الفساد والتهرب الضريبي، والحد من الرسوم والجبايات التي تزيد تكاليف الإنتاج والتجارة.
لكن التقشف الشامل ليس حلاً، خصوصاً إذا أدى إلى تقليص الإنفاق على الصحة والتعليم والغذاء والزراعة. المطلوب هو خفض النفقات غير المنتجة، مع حماية الخدمات الأساسية والإنفاق الاجتماعي والمشاريع القادرة على خلق الوظائف والدخل.
وفي سوق الصرف، تكشف الفجوة بين السعر الرسمي البالغ نحو 4200 جنيه للدولار وسعر السوق الموازية البالغ نحو 10 آلاف جنيه، وفق الأرقام الواردة في التقرير المشار إليه، عن اختلال كبير في توافر النقد الأجنبي وآليات تخصيصه.ولذلك ينبغي تقليص هذه الفجوة تدريجياً، وفق الموارد المتاحة وظروف السوق، مع نشر بيانات موثوقة عن الصادرات والواردات وتدفقات النقد الأجنبي، وإعادة بناء الثقة بالمصارف وتوسيع خدمات التحويلات والمدفوعات الإلكترونية حيثما تسمح الظروف. كما يجب تجنب فرض سعر رسمي لا تستطيع السلطات توفير الدولار عنده، أو اللجوء إلى خفض مفاجئ لقيمة العملة دون حماية اجتماعية وتمويل كافٍ للواردات الضرورية.
دور عربي ودولي في دعم التعافي
تتجاوز الأزمة السودانية قدرة الإجراءات النقدية وحدها على المعالجة، ما يجعل التحرك العربي والدولي ضرورة لتوفير الإغاثة والتمويل ودعم إعادة تشغيل الاقتصاد. وتفيد تقديرات أممية أُشير إليها في مايو 2026 بأن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما يظهر حجم التحدي الإنساني المرتبط بتدهور النشاط الاقتصادي واستمرار الحرب.
وفي هذا السياق، يمكن للسعودية ودول الخليج والدول العربية، بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، بحث برنامج لدعم الزراعة والأمن الغذائي والدواء والطاقة والنقل والمياه، إلى جانب توفير خطوط ائتمان وضمانات تجارية لاستيراد القمح والأدوية ومدخلات الإنتاج. وينبغي أن يرتبط هذا التمويل بمشاريع واضحة الأهداف، وآليات رقابة تضمن وصول المنافع إلى السكان، مع إعطاء الأولوية للمشاريع القادرة على استعادة الإنتاج وخلق فرص العمل.
ومع ذلك، يظل وقف الحرب وتأمين طرق التجارة وحماية المنشآت المدنية شرطاً أساسياً لعودة الاستثمارات واستعادة النشاط الاقتصادي. كما أن تهيئة الظروف لاستئناف التعاون مع المؤسسات المالية الدولية ومعالجة الديون مستقبلاً يمكن أن توفر موارد إضافية للخدمات العامة وإعادة الإعمار.
استقرار الدولار لا يكفي لاستعادة القوة الشرائية
يمكن للجنيه أن يستعيد جزءاً من استقراره، لكن ذلك يتطلب تحسناً حقيقياً في الإنتاج والصادرات وتوافر النقد الأجنبي، ولا يمكن ضمان توقيته في ظل الظروف الراهنة. كذلك، فإن استقرار سعر الدولار لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار السلع بالسرعة نفسها، إذ قد تستمر آثار ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والاستيراد، أو نقص المعروض في الأسواق. لذلك، ينبغي قياس نجاح السياسات الاقتصادية من خلال مؤشرات متعددة تشمل أسعار الغذاء والدواء، وتوافر السلع، وفرص العمل، والدخل الحقيقي للأسر، وليس سعر الصرف وحده.
الخلاصة، إن خروج السودان من أزمة انهيار الجنيه وغلاء المعيشة يتطلب 3 مسارات متزامنة: حماية المواطنين من الجوع والفقر، واستعادة الإنتاج والصادرات وتدفقات النقد الأجنبي، وتهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح بعودة النشاط الاقتصادي. فلا يمكن إنقاذ الجنيه بقرار إداري وحده، بل باقتصاد يستعيد قدرته على الإنتاج والتصدير، ومؤسسات تستعيد ثقة المواطنين، وبرنامج إصلاح يحمي الفئات الأقل دخلاً من تحمل العبء الأكبر للأزمة.
وفي النهاية، يظل المعيار الحقيقي للتعافي هو قدرة المواطن على تأمين احتياجاته الأساسية واستعادة فرص العمل وتحسن مستوى المعيشة



