المقالات والسياسه والادب

الجامعة ليست مسرحاً لتهريج المشخصاتية

بقلم: محمود جاب الله
ما حدث في جامعة بني سويف خلال الأيام الماضية هو جرس إنذار يجب أن تسمعه كل الجامعات المصرية. ففي ندوة أقيمت على مسرح الجامعة لتكريم الفنان محمد ثروت، وتحت سمع وبصر قيادات الجامعة وطلابها الذين ملأوا المسرح عن آخره، استهل الفنان حديثه بعبارة “عاملين إيه يا صيع؟” تلك العبارة التي اشتهر بها في فيلم بنك الحظ وأصبحت لازمة كوميدية يرددها في حياته اليومية وعلى صفحاته.
المقطع انتشر كالنار في الهشيم، وانقسمت الآراء حوله، لكن المؤكد أن عدداً من طلاب الجامعة عبروا عن استيائهم الشديد، معتبرين أن العبارة لا تليق بجامعة عريقة خرجت علماء في كل المجالات. الفنان من جانبه حاول تدارك الموقف سريعاً وقال إنه يحب الطلاب ويتمنى لهم التوفيق، ثم خرج بعد ذلك ليؤكد أن الأمر لم يكن إلا هزاراً، وقال بالنص “هزار بيني وبين إخواتي، وهما اللي طلبوه مني، مفيش حد زعل”.
لكن القضية هنا ليست في نية الفنان، فلا أحد يشكك في حبه لجمهوره ولا في كونه فناناً محبوباً وخفيف الظل. القضية الحقيقية هي في فكرة الجامعة نفسها وماذا نريدها . إن العبارة لم تكن مناسبة عند مخاطبة الطلاب داخل مؤسسة أكاديمية، رغم إمكانية تقبلها في سياقات جماهيرية أخرى، نحن ترفض أي إساءة إلى طلاب الجامعات المصرية أو وضعهم في موضع انتقاص، وأن كرامة الطلاب واحترامهم أولوية لا يمكن التهاون فيها.
وهذا هو بيت القصيد. الطالب حين يدخل الجامعة لأول مرة يشعر بالفخر والهيبة، يشعر أنه انتقل من مرحلة إلى مرحلة، وأنه أصبح رجلاً جامعياً يمثل بيتاً وأسرة. فكيف نسمح أن يكون أول خطاب رسمي له في ندوة تكريم هو وصفه بهذا الوصف، حتى ولو كان على سبيل الدعابة؟ وكيف نطلب من هذا الطالب بعد ذلك أن يحترم مدرجه وأستاذه وكتابه، ونحن من فتحنا الباب للتهريج داخل الحرم؟
لسنا ضد الفن وضد دخول الفنانين إلى الجامعة، فجامعاتنا كانت دائماً منارة للفن الراقي ومسرح الجامعة خرج عمالقة المسرح المصري. لكن هناك فارق كبير بين فنان يدخل الجامعة ليحدث الطلاب عن قيمة الفن ورسالته وتجربته في الحياة، وبين مشخصاتي يدخل ليردد إفيهاً من فيلم أو يغني أغنية مهرجانات ليجمع بعض التصفيق. الأول يضيف للطالب، والثاني ينتقص من هيبة المكان.
إن ما جرى في بني سويف يكشف عن خلل في معايير اختيار الضيوف. ليس كل من يملك مليون متابع على تيك توك يصلح أن يقف على منصة جامعية. وليس كل تريند يصلح أن يدخل الحرم الجامعي. الجامعة ليست مسرحاً مفتوحاً ولا كافيه لتسلية الطلاب، بل هي مصنع العقول وبيت الحكمة الأخير. إذا أردنا أن نرفه عن الطلاب فلنستضف عالماً عاد من بعثة، أو طبيباً أنقذ حياة الآلاف، أو مهندساً شارك في بناء مشروع قومي، أو حتى فناناً حقيقياً يحترم عقل جمهوره.

احموا قدسية الجامعة، فإذا ضاعت هيبة الأستاذ وهيبة المدرج وهيبة الطالب، فلن يبقى لنا شيء نراهن عليه.

مقالات ذات صلة