المقالات والسياسه والادب
لم يكسرونا بل قتلوا الوهم فينا

بقلم: مستشار محمود السنكري
بعض المواقف لا تكسر الإنسان بل توقظه وبعض الخيبات لا تنتقص من قدره بل تفتح عينيه على حقائق طالما غابت عنه،
فهناك أشخاص لا تُعرف حقيقتهم بالكلمات ولا تُكشف معادنهم بالمظاهر وإنما تظهر أقدارهم الحقيقية حين تضعهم المواقف أمام اختبار الأخلاق والوفاء.
كثيرًا ما يُساء فهم الصبر فيُحسب ضعفًا ويُفسَّر التجاوز على أنه عجز وتُعتبر الطيبة بابًا مفتوحًا للاستباحة، حتى تأتي لحظة فاصلة يتضح فيها أن الصمت لم يكن خوفًا وأن التسامح لم يكن احتياجًا وأن منح الفرص لم يكن عجزًا عن الاستغناء.
إن بعض الإساءات تُعد خدمة غير مقصودة لأنها تختصر سنوات وأياما من الوهم وتكشف حقائق كان من الصعب اكتشافها في زحام المجاملات والأقنعة،
فلولا المواقف لبقيت بعض الوجوه مختبئة خلف ادعاء الوفاء ولبقيت بعض العلاقات قائمة على مكانة لم تكن تستحقها.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن حسن المعاملة انعكاس لأخلاق صاحبها وليس شهادة استحقاق لمن يتلقاها،
فالكريم يُحسن لأنه كريم والأصيل يحفظ الود لأنه أصيل وصاحب المبادئ لا يحتاج إلى الإساءة للآخرين حتى يثبت ارتفاع قدره.
فليس كل صامت عاجزًا عن الرد وليس كل متسامح عاجزًا عن الرحيل وليس كل من يمنح الآخرين فرصًا متعددة لا يعرف كيف يغلق الأبواب،
هناك نفوس تترفع عن الصغائر لا لأنها لا تستطيع مواجهتها بل لأنها تدرك أن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض.
ومن أكبر الأخطاء أن يُخلط بين الرقي والتنازل وبين العفو وإعادة المكانة وبين طيبة القلب وغياب الكرامة.. فالعلاقات لا تستمر بمجرد طول العِشرة ولا تُصان بالأسماء والمظاهر وإنما يحفظها الاحترام المتبادل والوفاء الصادق.
وحين تسقط الأقنعة لا تكون هناك حاجة إلى ضجيج أو تهديد أو محاولات لإثبات من كان على حق فالأفعال تتحدث عن أصحابها والمواقف تكتب شهاداتها والزمن كفيل بأن يضع كل إنسان في مكانه الحقيقي.
إن الاستغناء ليس انتقامًا والابتعاد ليس هزيمة وإغلاق الأبواب ليس قسوة.. بل قد يكون القرار الأكثر نضجًا أن تنتهي بعض العلاقات دون خصومة وأن تُطوى بعض الصفحات دون عتاب وأن يمضي الإنسان دون أن يلتفت إلى ما لم يعد يليق بمكانته.
فالحياة لا تتوقف عند رحيل أحد والقيمة الحقيقية لا تُستمد من وجود الآخرين والكرامة لا تحتاج إلى شهود كي تظل محفوظة،
ومن عرف قدر نفسه لم يجعل مكانته رهينة اعتراف أحد ولم يسمح لتجربة عابرة أن تغيّر مبادئه أو تنتزع منه اتزانه.
وليس من شيم أصحاب النفوس الرفيعة أن يتحولوا إلى نسخ ممن أساؤوا إليهم أو أن يجعلوا الانتقام غاية لحياتهم لكنهم يتعلمون ويعيدون ترتيب أولوياتهم ويمنحون كل إنسان المساحة التي يستحقها دون مبالغة أو مجاملة.
لم يكسرونا.. بل قتلوا الوهم فينا…
لم ينتقصوا من أقدارنا بل كشفوا لنا مقدار ما بالغنا في تقدير بعض الأشخاص، لم يسلبوا منا شيئًا بل أعفونا من الاستمرار في منح المكانة لمن لا يعرف قيمتها.
وهنا يظهر الفارق بين من يستمد قيمته من الآخرين ومن يستمدها من داخله.
فالأول يخشى فقدان الأشخاص أما الثاني فيخشى أن يفقد مبادئه وكرامته من أجل الاحتفاظ بمن لا يستحق.
إنها ليست حكاية وجع أو رواية خسارة بل حكاية وعي ونضج أعادا لكل شيء حجمه الحقيقي ولكل علاقة موضعها الصحيح.
فلم يكسرنا أحد ولم تهزمنا خيبة كل ما في الأمر أن الوهم مات والحقيقة ظهرت وأصبحنا أكثر إدراكًا لمن يستحق أن يكون في حياتنا.
انتهت الحكاية وبقيت الكرامة وانقضت التجربة وبقيت الحكمة ومضت الوجوه وبقيت المبادئ.
فبعض الخيبات لا تأخذ من الإنسان شيئًا بل تعيده إلى نفسه.




