هناك أحزانٌ لا تجد لها طريقًا إلى الورق…
أحزانٌ تسكن أعماق القلب كأنها أمانات مقدسة، لا يجوز البوح بها ولا حتى لمسها بيد الحروف.
هي ليست خجلًا من الضعف ولا خوفًا من الشفقة بل هي أوجاعٌ خُلقت لتُكتم… لتظل في صمتها أكثر صدقًا مما قد تبوح به اللغة.
في كل إنسانٍ منا زاوية مظلمة ، غرفة صغيرة في قلبه لا يطرقها أحد ولا يُسمح حتى للذكريات أن تعود إليها هي تلك اللحظات التي تألم فيها بعمق ولم يجد من يفهم أو تلك القرارات التي اضطر أن يتخذها وقلبه ينزف بصمت ،
هي النداءات التي أطلقها في داخله حين خذله الجميع فلم يجد سوى صدى صوته يعود ليؤكد وحدته.
أحزانٌ لا تُروى لأنها إن رُويت خذلتنا اللغة وبانت هشاشتنا.
كيف نكتب وجعًا ما زال حيًا فينا؟
كيف نصف جرحًا لم يلتئم بعد؟
بعض الأوجاع لا تُكتب لأنها إن كُتبت ماتت كرامتنا معها أو ربما قامت الحروف مقامنا وشهدت علينا ما لا نريد أن يُعرف.
هي أحزانٌ تلبس أقنعة الفرح في النهار وتخرج عارية من الزيف في عمق الليل حين لا شيء يُجبرنا على التمثيل.
نبكيها في صمت، نرعاها في الخفاء، ونخشى عليها من أن تُمسّ لأن مجرد لمسها قد يفتح علينا أبوابًا كدنا نغلقها بثمنٍ باهظ من الصبر.
هذه الأحزان ليست ضعفًا بل شجاعة…
أن تتحمل ما لا يُحتمل وألا تجعل من نفسك مرآة لكل من مرّ أن يرى انعكاس ألمه عليك.
هي نضوج القلب حين يعلم أن العالم لا يحتمل مزيدًا من الحكايات الحزينة.
فلا تفتّش في وجوه الآخرين عن كل حكاية لم تُكتب…
ولا تظن أن الصمت خالٍ من القصص.
ففي قلب كلٍ منا قصيدة من وجعٍ لم تُلقَ على مسامع أحد ومسرحية كاملة من الانكسارات لم تُعرض على خشبة الحياة ، فقط لأنها كانت… أحزانًا ممنوعة من النشر.
لا تَسألوا كثيرًا عن العيون الصامتة ولا تبحثوا عن الدموع المختبئة خلف الابتسامات فثمة أشياء وُجدت لتظل في الأعماق… لا لأنها لا تُقال بل لأنها إن قيلت ضاع شيءٌ من نقائنا معها.
دعوا لتلك الأحزان قدسيتها فهي بعض ما يجعلنا بشرًا قادرين على أن نُحب رغم الألم… ونصمت رغم الانكسار.