المقالات والسياسه والادب
من جوات الكرنفال ومهاوي السخف الي سفال المهرجانات في الممر السابع عشر

بقلم محمد جابر
كاتب صحفي
الممر السابع عشر
لم يكن قدرنا يوما أن نكون من هواة الاصطفاف في طوابير التذمر لكننا دائما ما نجد أنفسنا وسط ممرات مزدحمة لا تؤدي إلى شيء سوى المزيد من التشتت ممرات تتفرع من ميادين الواقع وتختزن في طياتها أشكالا لا تطاق من الزينة الزائفة والمهرجانات المستوردة والكرنفالات التي تنبت فجأة كأن التربة باتت خصبة لهذا الهراء
مجتمع مخدوع يعد بالنجومية ويخدر بجرعات ثقافية مغشوشة فيما المشهد لا يتغير والمسرح ذاته يدار بذات الهرولة وذات التصفيق
في الممر السابع عشر بدا المشهد أكثر انكشافا وأكثر فجاجة أصوات متعالية أضواء باهتة استعراضات تحت مسمى مهرجان وكرنفال فاخر يقام في فنادق كبرى وقصور ثقافة تليق باستعراض خادع يسرق الأبصار ويخدر العقول لافتة ضخمة تصدرت المكان كأنها العنوان الأوضح للعبث
لم أضحك من العنوان وحده بل من المشهد برمته من عروض السيرك إلى نزاعات الإعلام إلى أسواق النخاسة الثقافية حيث تتكرر ذات الوجوه التي تتقن فن الترويج لكل شيء عدا الحقيقة تحتفظ بمكانها في كل مهرجان زائف وتنتقل من عبث إلى آخر بثقة من يدرك أن لا حساب ولا عقاب ونقول لكم ويلكم من افاقة المغيبين أنفسهم ومن تحتضنوهم الان
في هذا الممر غاب العقل وغاب الضمير وتحول المشهد إلى صور ملونة ترقص على جراح الوعي وكأن كل هذه الكرنفالات علاج لأوجاع أمة أنهكها التيه وكأن الضوضاء والبهرجة بديل للمعنى والفهم
هل من المعقول أن نصل إلى هذا القاع مرة بالتفاهة ومرة بالمخدرات ومرة بالتزوير وأخرى بخفافيش الظلام حتى صرنا نحتفل بسقوط الوعي وسط تصفيق المهرجين والمطبلين
ربما يكون هذا الانهيار العلني هو الصدمة التي تسبق الصحوة وربما كانت هذه المهرجانات الزائفة لتكتشف كم نحن متهافتون متواطئون مع الزيف
السؤال الحقيقي هل كنا سنحتفل بكل هذا الوهم لو امتلكنا شجاعة المواجهه شجاعة الفهم شجاعة قول كفى
لا أدري لكنني أعلم أن الممر السابع عشر ليس نهاية الطريق بل هو مجرد خدعة أخرى أعلم أننا بحاجة إلى من يجرؤ على إطفاء الموسيقى أو قطع التيار عنوة ويصرخ وسط هذا الصخب….. من أنتم…. من المسؤول من سمح لكم…… وبماذا تحتفلون
حين تتحول تلك التجمعات إلى منصات لتجميع المنتفعين ومن لا صلة لهم إلا بالطمع في الشهرة والجهل بماهية التكريم تتحول المناسبة إلى استعراض فارغ وجعل منه غطاء لغسيل السمعة باسم التكريم
التكريم الحقيقي لا يمنح إلا عن جدارة ووفق مرجعية معروفة وجهة مانحة محترمة أما ما يحدث فليس سوى عبث ممنهج اختزال لقيمة التكريم في قاعة مستأجرة أو قصر ثقافة بلا صلة حقيقية بالمناسبة وتكريم بلا مضمون ولا علاقة له بالإنجاز
وهنا قتلني الفضول ودخلت إلى قاعة تحمل لافتة مزخرفة كارنفال فني تعقبها لافتة أخرى بعنوان مهرجان إعلامي والأجواء مزينة بشعارات لا صلة لها بالواقع فنانين بلا رصيد إعلاميين لا نعرف لهم أثرا كلا الحدثين يتنافسان في صناعة الزيف على أنقاض ما تبقى من وعي لدي من يتوهمون بأنهم هوانم وبهوات
المشهد شبيه بدخان كثيف يملأ الفضاء الثقافي يخنق المعنى ويصطنع الفرح المؤقت يستعير رموزا راحلة ليضفي شرعية مستعارة كأن القيمة تستجدى من الموتى وتستعار من الماضي
الضجيج يديره من لا يمتلك أدنى صلة بالحقل الثقافي سوى علاقة مؤقتة بجهة راعية أو ممول رسمي ينفق ليذكر وتدار التفاصيل بما يخدم المجاملة لا الرسالة
في هذا الممر يدهس الوعي تحت اقدام من لا يعرفون حتي العناوين فالمظهر وحده مثار للسخرية الأضواء هنا تمنح لمن يسعى لغسل سمعته أو لشراء دقائق من شهرة مؤقتة بينما ينسى أصحاب الفكرة والموقف والضمير كأن الوقار أصبح تهمة إن لم تصاحبه رشوة ناعمة أو تغطية صحفية دافئة
في هذا الممر ضاعت القيمة وسقطت العدالة وبقي من يمتلك الصوت الحقيقي في الظل بينما يتصدر الواجهة المرتزقةواصحاب الشهادات المزورة والعقول الفارغة
ما يحدث ليس احتفالا بل عملية احتقار ممنهجة لكل من آمن أن الكرامة لا تشترى وأن القيمة لا تتلخص في الصور والعناوين وحدها هنا تغرز الطعنة في ظهر كل صاحب مبدأ وكل من قال لا لهذا العبث
الضمير غائب لا صوت له وسط هذه الفوضى الأصوات الجادة تقصى لأنها تحرج المصطنعين وتفضح زيفهم وحده السؤال يصرخ…… من أنتم…… من تكرمون …..وبأي حق يحدث كل هذا
هل نملك شجاعة قول كفى وكفى زيفا وكفى استهتارا بالمعنى والكرامة
ربما لم يكن الممر السابع عشر سوى مرحلة لكنها مرحلة فاضحة تعري الوجوه وتكشف النوايا وتفضح من باعوا القيم بثمن



