المقالات والسياسه والادب

على حافة العقل

على حافة العقل

‏بقلم الكاتبة إيمان نجار 

‏*”في دهليزٍ من ذاتي.

‏كنت أسير… لا بل كانت قدماي تتهاويان على أرضٍ لم يرها أحدٌ سواي،  

‏حيث الجدران تتنفس، والظلّ يسألني: من أنتِ؟  

‏لم أعد أعرف اسمي، ولا طعم الوقت،  

‏فالساعات عندي تولد ميتة، والثواني تنهش بعضها في صمتٍ مبلّل بالوهم.

‏عقلي… ذاك القفص الحديديّ، تنقره غربانُ الذكريات،  

‏كلّ فكرةٍ فيه شظيّة، كلّ ضحكةٍ جرحٌ مستتر،  

‏وصوتي؟ صوتي لا يسمعه سواي،

‏يرتدّ من جمجمتي كصدىً غارقٍ في الطين.

‏الناس يروني… لكني لا أراهم 

‏أمدّ يدي إليهم، فأصافح الفراغ.  

‏أصرخ، فيردّ عليَّ صدى روحي المكسورة: “اهدأي، لا أحد هنا إلّا أنتِ وموتُكِ المؤجَّل.”

‏كنت أرتدي قناعًا من الطمأنينة،  

‏لكن داخلي… كان مذبحة.  

‏عقلي يُشبه مدينةً مخلّعة الأبواب ، تئنُّ فيها الرياح،  

‏ونوافذُها لا تُغلق، ولا يُغادرها أحد.

‏*يا أيّها العابرُ من هنا،*  

‏هل جرّبت أن تسكن جسدًا لا يحتملك؟  

‏أن تحيا كلَّ يومٍ جنازةً لا يأتي فيها أحد؟  

‏أن تصرخ باسمك، فلا تردّ عليك حتى ذاكرتك

‏كانت ذاكرتي حفرةً عميقة،  

‏ألقي فيها كلُّ شيء… ثم أنسى،  

‏حتى وجه أمّي صار ملامح مبعثرة على جدارٍ مشقوق في عقلي  

‏وصوت أبيي… تحوّل إلى طنينٍ باهت،  

‏يُشبه بكاء بابٍ صدئ في عاصفة.

‏أضحك أحيانًا…  

‏ليس فرحًا، بل لأن الضحك آخر ما تبقّى لي قبل أن أنهار،  

‏ضحكة كأنها عواءُ ذئبٍ مذبوح،  

‏أو نشيجُ مرايا انكسرت ولم تجد مَن يُلملمها

‏أحدّق في المرآة،  

‏فأرى فيها شخصًا لا أعرفه… شخصًا غريبًا يسكن ملامحي،  

‏أحدّثه… أشتمه… ثم يختفي،  

‏فتبقى صورته ترتجف، كأنها تخاف أن تكون أنا

‏الليل؟  

‏أه… الليل عدُوّي

‏حين تغفو المدينة، تصحو جيوشُ الهواجس،  

‏تقرع طبولها في قلبي، وتُعلن الحرب عليه… مني.

‏ينام نصف عيني

‏أما النصف الآخر، فيحرس كوابيسَي

‏ويكتب تقارير مفصّلة عن كلّ انهيارٍ مؤجل.

‏*أنا مريضة؟*  

‏ربّما…  

‏لكنّ المرض الحقيقيّ، أن أعيش في عالمٍ لا يسألني “كيف حالك؟” إلّا ليهرب من الجواب.

‏فلا تقولوا: “مجنونه”…  

‏قولوا: “إنسانٌة خاضَت معركةً خفيّة، ولم تجد من يقاتل معها.”  

‏لا تُشخّصوا الألم، بل اسألوا:  

‏كم روحًا سقطت قبل أن أطلق أول صرخة؟  

‏كم بابًا طرقت بصمتي، وكم يدًا امتدت لتغلق لا لتُنقذ؟  

‏الجنون ليس فقدان العقل،  

‏بل امتلاؤه حدّ الإنفجار…  

‏هو عقلي أ

رهقته الأحمال،  

‏وقلبي لم يعُد يتّسع لخذلانٍ جديد.

مقالات ذات صلة