المقالات والسياسه والادب

حرب بين الحب والمرض

حرب بين الحب والمرض

‏بقلم الكاتبة إيمان نجار 

‏*الراوي (بصوتٍ ساكن، كأنّه يهمس للزمن):*  

‏في غرفةٍ ضيّقةٍ على أطراف الحياة،  

‏كانت ترقدُ أنثى،  

‏سرقَ السرطانُ منها لونَ خدّيها،  

‏وأبقى لها من الجسدِ ظلًّا،  

‏ومن الأملِ شظايا،  

‏لكنّها ما زالتْ تبتسم… لأنّه هناك.  

‏هو… حبيبُها.  

‏الذي لم يُشبه الأطبّاء،  

‏لكنّه كانَ دواءَها.

‏*الفتاة (بصوتٍ مُتعب، تُحاول أن تبتسم):*  

‏أتعرفُ ما يؤلمني أكثر من المرض؟  

‏أن أراكَ تتألّم لأجلي…  

‏كأنّ الوجعَ يُصيبك بي.

‏*الحبيب (بصوت يرتجف):*  

‏وجعي؟  

‏وجعي أن أراكِ تُقاومين وحدكِ،  

‏أن يتآكلَ الوقتُ من عينيكِ،  

‏ولا أملكُ إلّا قلبي أمدّه لكِ…

‏*الفتاة:*  

‏أحيانًا،  

‏أشعر أنّ هذا الجسد لم يَعُد لي،  

‏أُكلّمُه فلا يُجيب،  

‏أرجوه أن لا يخونني…  

‏لكنه يُنهكني أكثر.

‏*الحبيب (بصوت يرتجف):*  

‏دعيني أتقاسمُ الألمَ معكِ،  

‏ضعي كلّ تعبكِ في صدري،  

‏ودعيني أتنفّس عنكِ.

‏*الراوي:*  

‏قالت له يومًا:  

‏”صوتك يُشبه قُبلة الحياة”،  

‏وكان إذا غاب،  

‏تشتدّ حرارتها،  

‏ويخبو ضوءها.

‏*الفتاة (بغصة):*  

‏أريد فقط… أن تبقى،  

‏لا تطمئنّني،  

‏لا تكذب عليّ،

‏فقط… ابقَ.  

‏كأنّك تعِدُني أنّني لن أرحلَ وحدي.

‏*الحبيب (بنبرة ألم):*  

‏لن أترككِ  

‏ولو احترقَ هذا العالم،  

‏لن أترككِ  

‏ولو توقّفَ كلّ شيء،  

‏أنا هنا…  

‏وسأبقى.

‏*الفتاة (بهمس شاحب):*  

‏حين يرحل الجميع،  

‏يبقى من نحبّه وطنًا…  

‏وها أنا…  

‏أحيا بك، رغم أن جسدي يموت كلّ يوم.

‏*الراوي (يخفت صوته تدريجيًا):*  

‏لم تكن كلماتها مجازًا،  

‏كانت تموت…  

‏لكنها تُقاتل،  

‏وكان هو…  

‏آخر ما تبقّى لها من الحياة.

‏*الحبيب (بحزم مكسور):*  

‏اسمعيني…  

‏سوف نخرج من هذه الغرفة،  

‏أعدكِ…  

‏ستتوقف صفّارات الأجهزة، ويُنتزع هذا الأنبوب من يدكِ،  

‏وستمشين نحوي… بخطواتكِ الصغيرة،  

‏تلبسين فستانكِ الأبيض،  

‏وأُلبسكِ أنا قلبي، لا خاتمًا.

‏*الفتاة (بابتسامة ضعيفة، تُحاول الكلام):*  

‏وإذا لم أستطع النهوض؟

‏*الحبيب:*(يتكلم بحنان )

‏سأحملكِ…  

‏على كتفي إن لزم الأمر،  

‏سأبني بيتًا يشبه ضحكتكِ،  

‏أزرع على نافذته اللافندر الذي تحبينه،  

‏وأكتب على جدرانه:  

‏”هنا تنام أنثى هزمت الموتَ بعينَيها”.

‏*الفتاة (بصوت متعب ضعيف):*  

‏كم أُحبك…  

‏أحبك حتى آخر قطرة في وريدي اليابس،  

‏حتى آخر حلم لم أُخبرك به.

‏*الحبيب (يعطيها أمل):*  

‏لا تتحدّثي عن النهايات،  

‏لدينا حياة كاملة لنختلف فيها،  

‏لنشرب القهوة وننسى غلوتها،  

‏لنسهر على صوت فيروز ونختلف أي أغنية أجمل،  

‏لدينا عمر لنعيشه يا نبضي…

‏*الراوي (بصوت ناعم حزين):*  

‏كان يُحادثها كأنّ الحياة قرار،  

‏وكأن الشفاء يُؤخذ بالعناق،  

‏وكأن الكلمات تستطيع أن تُعيد ترتيب الخلايا من جديد،  

‏لكنّها كانت تُحبّ هذا الوهم،  

‏لأنّه الوحيد الذي يُبقيها على قيد الحُلم.

‏*الفتاة (بهمس واهن وهي تنظر إليه):*  

‏إذا نسيتَ يومًا ملامحي…  

‏تذكّر أنّ يديّ كانت ترتجف كلما لمستكَ،  

‏وأنّني… حتى وأنا أُحتَضَر، كنتُ أراك حياةً كاملة.  

‏لا تَبكِ…  

‏وعدني… إذا شُفيتُ، أو لم أُشفَ…  

‏أن تُكمل الحياة بالنيابة عنّي.

‏*الحبيب (عيناه ممتلئتان بالدمع):*  

‏لن أترككِ…  

‏أقسم لكِ، سنقوم غدًا…  

‏وسأُحضّر لكِ قهوتكِ المُرّة، كما تُحبين.  

‏ابقَي… فقط ابقَي.

‏الراوي:

‏جاءت المعجزة على هيئة شفاءٍ لا تفسير له،  

‏كأنّ الحبّ نفسه قرر أن يهزم المرض،  

‏وأنّ يديه، يدي ذاك العاشق الذي لم يتركها يومًا،  

‏أصبحتا صلاةً مستجابة.

‏تعافت… نعم، تعافت.  

‏وقامت من سرير الوجع كما تقوم زهرة من رماد.  

‏ضحكت… وكان ضحكها أجمل من شفاء المدن.  

وعاد هو، ليضع خاتمًا على إصبعها،  

‏لا بوعد النجاة فقط،  

‏بل بوعد العمر الذي سيعيشان فيه،  

‏سندًا، وضوءًا، ورفقة لا تعرف الانطفاء.

مقالات ذات صلة