أخلاقنا اين ذهبت؟!

أخلاقنا اين ذهبت؟!
كتب: محمود جاب الله
سؤال يطرح نفسه كلما طالعنا مشهداً في الشارع، أو قرأنا تعليقاً على مواقع التواصل، أو استمعنا لحوار يدور بين شابين في وسيلة مواصلات عامة. لم تعد القضية مجرد ملاحظة عابرة، بل أصبحت ظاهرة تستحق التوقف والدراسة: أين ذهبت أخلاقنا التي عرف بها المصري طويلاً؟
كنا نتباهى بأن المصري معروف بشهامته، باحترامه للكبير، بعطفه على الصغير، بوقوفه إلى جوار جاره في الشدة قبل الفرح. كان الرجل إذا اختلف مع جاره في الرأي، حافظ على الود. وكانت الكلمة عهداً، والوعد ديناً. فماذا تغير؟
ما تغير ليس جوهر الإنسان المصري، فالأصل لا يزال طيباً، ولكن تغيرت المؤثرات. دخلت علينا ثقافة الاستسهال والربح السريع، فتراجع قيمة العمل المتقن. وانتشرت ثقافة الصوت العالي، فظن البعض أن الأخلاق ضعف، وأن الاحترام تنازل، وأن الحياء تخلف. وتحولت مواقع التواصل من وسيلة للتواصل إلى ساحة للتنمر والسباب وتصفية الحسابات، يختبئ فيها البعض خلف شاشة ليقول ما لا يجرؤ على قوله في الواقع.
أين ذهبت أخلاقنا حين يرتفع صوت السباب في ملعب كرة قدم بدلاً من التشجيع؟ وحين يتطاول صغير على معلمه الذي علمه الحرف؟ وحين لا يجد كبار السن من يحمل عنهم، ولا تجد المرأة من يفسح لها الطريق؟
إن الأخلاق لا تعود بالخطب ولا بالمواعظ وحدها. الأخلاق تعود بمنظومة متكاملة:
*تعود من البيت،* حين تربي الأم والأب أبناءهما على أن الاحترام ليس خياراً بل واجب، وأن الصدق منجاة حتى لو كان ثمنه غالياً.
*وتعود من المدرسة،* حين يعود للمعلم هيبته ومكانته، وحين نغرس في المناهج أن الدين ليس مادة للنجاح والرسوب، بل سلوك يمشي على الأرض.
*وتعود من القدوة،* فالناس على دين إعلامهم. حين يتصدر المشهد الناجحون بجد لا بضجيج، والعلماء لا المهرجون، سيعرف الشاب أن الطريق الصحيح هو طريق القيمة.
*وتعود بالقانون،* فالقانون الرادع الذي يحاسب المتحرش والبلطجي ومن يلوث الشارع بلسانه قبل يده، هو الذي يحمي الأخلاق من أن تصبح وجهة نظر.
نحن لا نحتاج أن نستورد أخلاقاً جديدة، نحتاج فقط أن ننفض التراب عن أخلاقنا القديمة. عن شهامة ابن البلد، وأمانة التاجر، وإتقان الصانع، وحياء البنت، وغيرَة الشاب على أهل بيته وجيرانه.
إن الأمم لا تنهار بانهيار اقتصادها فقط، فالاقتصاد يمكن أن يعود، ولكنها تنهار حين ينهار خلقها. كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
*وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت… فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا*
فلنبدأ بأنفسنا. كلمة طيبة في البيت، ابتسامة في الشارع، اعتذار عند الخطأ، وشكر عند العطاء. أشياء صغيرة، لكنها وحدها القادرة على أن تعيد إلينا سؤالنا بإجابة مطمئنة: أخلاقنا لم تذهب بعيداً… هي فقط تنتظر من يوقظها.



