المقالات والسياسه والادب

ابطال وحدات الصاعقة اللواء فتحي عبد الله علي

كناب نجوم في سماء الوطن (الجزء الاول)

للكاتب والمؤرح العسكري

د. أحمد علي عطية الله

من أبطال الكناب

من ـابطال وحدات الصاعقة

قائد معركة رأس العش الشهيرة بالشرق تلك المعركة التصادمية بين القوات المسلحة المصرية المنسحبة من سيناء، والقوات الإسرائيلية المزهوة بنصر لم تبذل فيه جهدًا على ضفة القناة الشرقية قبل مرور شهر على نكسة يونيو.
كأول عبور يتم للقوات المسلحة المصرية من الغرب إلى الشرق بعد الانسحاب وتنتصر القوة المصرية وتفرض إرادتها وتتمسك بموقعها حتى حرب التحرير الكبرى في أكتوبر 1973.. فماذا قال الرجل:
بدأ منذ تخرجه من الحربية 16/8/1966 منضمًا إلى صفوف قوات الصاعقة متمركزًا بمنطقة القسيمة بسيناء ضمن صفوف إحدى كتائب الصاعقة ضمن التشكيل الذي كان يقوده الفريق الشاذلي واندلعت شرارة حرب يونيو 1967 ولم تتح له الفرصة شأنه شأن باقي قواتنا المسلحة من مواجهة القوات الإسرائيلية بل نفذوا أوامر الانسحاب، لذلك لم تجد القوات الإسرائيلية صعوبة في مهاجمة قوات عسكرية ضخمة لا هي في وضع هجوم ولا هي في وضع الدفاع بل قوات محملة بأسلحتها فوق العربات في طريقها إلى الغرب.
كانت وحدة هذا الرجل شأنها شأن باقي وحدات الصاعقة من أقل الوحدات خسائر أثناء الانسحاب لما يتمتع به أفرادها من لياقة بدنية عالية، وتنظيم جيد، وفي الغرب أُعِيدَ تشكيل وتسليح كتيبته التي كان يقودها الرائد سيد الشرقاوي، وكان بطلنا برتبة الملازم قائدًا لإحدى فصائل هذه الكتيبة التي ضمت جنودًا على درجة عالية من الجرأة والاندفاع لكونهم من أعماق أحياء القاهرة الشعبية والذي لم يكن من الصعب عليه التعامل معهم وهو ابن حي روض الفرج بشبرا، وتمركزت الكتيبة بالقرب من بور سعيد.
كانت قوات العدو قد استقرت بمدينة القنطرة شرق حتى ضفة القناة الشرقية كحدٍ شمالي لها على قناة السويس ولم يكن في حسبانهم حتى أسبوعين من نهاية حرب يونيو التفكير في دخول مدينة بور فؤاد في الطرف الشمالي من الضفة الشرقية لقناة السويس لما تتمتع به من مناعة طبيعية متمثلة في مساحات شاسعة من الملاحات تحيط بها ويستحيل اجتيازها بواسطة الدبابات أو الآليات المجنزرة، وابتداءً من يوم 25 يونيو بدأ العدو في تسيير دورات من القنطرة شرق شمالاً على مدق من الرديم بمحاذاة قناة السويس لا يزيد عرضه عن عشرة أمتار تجاوره منطقة طميية رخوة تعرف بسهل الطينة تمثل هي الأخرى عائقًا طبيعيًا وإن كان أقل قسوة من الملاحات.
ونظرًا لنشاط دوريات العدو المتجهة شمالاً في اتجاه الكاب والتينة وهما النقطتان الجنوبيتان من رأس العش ثم الكرنتينة فبور فؤاد، فقد كلفت كتيبة الرائد سيد الشرقاوي بإرسال فصيلة صاعقة من كتيبته لتعبر القناة شرقًا لحماية رجال سلاح المهندسين المصريين أثناء عملية زرع ألغام على الضفة الشرقية من القناة مساء يوم 29 يونيو عند منطقة الكاب ثم التينة ثم رأس العش على أن تتم العودة مع أول ضوء من صباح اليوم التالي وقد أهلَّت بشائر الصباح قبل التمكن من تلغيم منطقة رأس العش.. وعند ظهر اليوم التالي 30 يونيه أبلغت قوات الاستطلاع المصرية بمشاهدة دورية للعدو متحركة من القنطرة شرق شمالاً في اتجاه الكاب وهناك تنبهوا لآثار أقدام القوة المصرية فأحضروا مجسات للبحث عن ألغام وعثروا على حقل الألغام وبدأوا في نزعها، وفي نفس الوقت أبلغت استطلاعاتنا عن استدعاء العدو تعزيزات من مدرعاته ونصف جنزير إلى الكاب في طريقها إلى مدينة بور فؤاد فَطُلِبَ من الرائد سيد الشرقاوي إرسال قوة من كتيبته شرقًا للتصدي لقوات العدو فأصدر قائد الكتيبة أوامره لضابطه المفضل لديه الملازم فتحي عبد الله بإعداد فصيلته بالسلاح والعتاد وإعطائه تمام استعداد للعبور شرقًا خلال نصف ساعة، وعلى دفعتين تم عبور رجال الفصيلة نهارًا إلى الضفة الشرقية من القناة بواسطة أحد زوارق الإرشاد الخاصة بهيئة قناة السويس بمحطة رأس العش، وصل الملازم فتحي إلى نقطة تمركزه في الثالثة عصرًا وبدأ بتوزيع رجاله بأسلحتهم على خط المواجهة المتوقع مع العدو والذي لا يزيد عن 500 متر منها مدق عرضه 10 أمتار بمحاذاة القناة والباقي تربة رخوة للغاية صعب على الجنود حفر الحفر البرميلية المعتادة لتكفل للجندي الحماية أثناء استعمال سلاحه من الوضع واقفًا والتي كانت تُهَالُ كلما استمر الحفر مِمَّا لم يسمح لهم إلا بعمل حفر للوضع نائمًا، وأحسن القائد الشاب توزيع أسلحته من الآر بي جيه 7، والرشاشات الخفيفة، والبنادق الآلية على الأجناب وفي المنتصف، تم تعزيز فصيلة الملازم فتحي بفصيلة أخرى من كتيبة صاعقة معاونة بقيادة الملازم أول جابر الجزار بمدفعين مضادين للدبابات ورشاشين متوسطين ولأن الجزار يقود وحدة معاونة فقد ترك قيادة العملية للملازم فتحي الذي يصغره في الرتبة وإن عاونه في توزيع الأسلحة ولكنه ترك إصدار الأوامر له، وفي نفس التوقيت وعلى الحد الأمامي لهذه القوة المصرية كان رجال سلاح المهندسين المصريين يقومون بزرع الألغام.. وفي تلك اللحظة كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف أي قبل الغروب بحوالي ساعة ونصف كانت قد وصلت القوة الإسرائيلية المكونة من فصيلة دبابات (3 دبابات) وعدد من العربات المجنزرة المحملة بالهاونات 120 مم والرشاشات النصف بوصة بالإضافة إلى سرية مشاة محمولة والتي فوجئت بقوة الصاعقة أمامها على بعد حوالي 50 مترًا فتوقفوا مكانهم.. بل إن بعضًا من الجنود الإسرائيلين قد نزلوا لمشاهدة ما يفعله رجال سلاح المهندسين المصريين الذين أكملوا مهمتهم وعادوا إلى الغرب.. قد يتعجب البعض ويتساءل عن عدم اشتباك الطرفين!!!
والسبب أن كلا الطرفين لا يريد أن يكون البادئ بكسر وقف إطلاق النار الموقع عليه من قيادة الجانبين ومُرَاقَبٌ من الأمم المتحدة.
وبدأت الأحداث تتسارع فوصلت طائرة هليوكوبتر للعدو من نوع سوبر بايبر كاب بكابينة لطيار واحد حامت فوق القوة المصرية وعلى ارتفاع لا يزيد عن ثلاثة أمتار فوق الجنود المصريين الذين لا يزيد عددهم عن 30 من الجنود والصف وضابطين لدرجة أنها حصلت على كل ما تريد معرفته عنهم من حيث العدد والتسليح والتوزيع ولم يبقَ شيء لم تحصل عليه سوى أسماء القوة ثم غادرتهم.
بعد حوالي 7 دقائق شاهد كل من بالموقع المصري طائرتين ميراج إسرائيليتين قادمتان من الشرق في اتجاههم فوق الملاحات على ارتفاع منخفض جدًا صوتًا شديد الإزعاج مخلفة زوابع رملية في الأرض تكاد تنتزع الرجال من مرابضهم وفي فكر قائدي الطائرتين أن تلك العملية ستبث الرعب في قلوب الجنود المصريين الذين عانوا من أسابيع قليلة في سيناء من أهوال تلك الطائرات أثناء الانسحاب، وأن عدة دورات فوق هؤلاء الجنود حتى بدون إطلاق نيران كفيلة بأن تدفعهم إلى إلقاء أنفسهم في مياه القناة والفرار غربًا… ولكن خاب ظنهم.. وغادرت الطائرتان المكان حوالي الثامنة مساءً مع آخر ضوء… وما لبث أن أظلم الليل، وكانت ليلة ظلماء بدون قمر من ليالي نهاية الشهور العربية.
فجأة سُمِعَ هدير الدبابات والمجنزرات الإسرائيلية تتقدم في اتجاه الأبطال حتى شُوهِدَتْ أشباحها على بعد 20- 30 مترًا من الأبطال.. وفتح العدو نيرانه ولكن عناية الله كانت مع جنود الحق فامتصت الأرض الرخوة دانات الهاون 120 مم الإسرائيلية ذات المقدمة الطرقية ودفنت بين أبطال مصر دون أن تنفجر وتُحْدِثَ بهم إصابات، أما الدبابات الإسرائيلية لقرب المسافة من رجال الصاعقة خفضت مستوى مدافعها لأقل مستوى ومع ذلك كانت ترمي طلقاتها خلف الأبطال.. وهنا جاء دور أبطال مصر في تلقين العدو المغرور الدرس القاسي فتحرك كلا القائدين بين جنودهما يديران نيران المدافع الـ م/د وقواذف الآر بي جيه والرشاشات المتوسطة ويظهر هنا معدن الأبطال فيشاهد القائد المصري الملازم فتحي عبد الله أحد صف ضباطه وهو رقيب الفصيلة حسني سلامة وتسليحه بندقية آلية يحمل قاذف آر بي جيه ويقترب من أولى دبابات العدو ويحكم التصويب فيصيب الدبابة في مقتل أسفل البرج مباشرة، وكانت فاتحة الخير فتم تدمير نصف جنزير إسرائيلية محملة بمدفع هاون واحتدم القتال وازدادت الخسائر في قوات العدو وحدثت بعض الخسائر من الدانات الفوسفورية بين بعض أبطال مصر واستمر القتال حتى الثالثة قبل الفجر وأثناء القتال أبلغ الرائد سيد الشرقاوي لاسلكيًا ضابطه الشاب في الشرق بمحتوى مكالمة تليفونية وصلته أثناء القتال مباشرة من الرئيس جمال عبد الناصر يطالبه فيها بالاستمرار في القتال ولا يسمح بمرور العدو إلا فوق جثث أبطالنا فقام الملازم فتحي بإبلاغ جنوده هذه الرسالة من الزعيم عبد الناصر الذي كان يتابع مجريات المعركة أولاً بأول فزاد حماسهم وإصرارهم على النصر.. وأوقف العدو نيرانه بعد ما تكبده من خسائر وطلب تعزيزات من القنطرة شرق ولكن تلك التعزيزات اصطدمت بكمين مصري تم الدفع به شرقًا في منطقة التينة بقيادة الملازم عبد الوهاب الزهيري من كتيبة المقدم فؤاد بسيوني فأحدثوا بها خسائر شديدة حتى أنه تم جمع صناديق الذخيرة والمهمات والأسلحة المصاحبة لقوات العدو وإرسالها غربًا في أحد اللنشات.

في تلك الأثتاء كانت قوات العدو في رأس العش قد قام بعض جنودها بعملية التفاف من منطقة الملاحات خلف الأبطال وبدأوا في فتح النار عليهم من الخلف واسْتُشْهِدَ أثناء ذلك البطل المصري الملازم أول جابر الجزار ولما كان القائد المصري لديه هذا التوقع من معرفته بأساليب العدو فقد أعطى أوامره للرشاش المتوسط بالدوران للخلف والتعامل مع القوة الملتفة، وبمجرد إحداث خسائر بينهم سارعوا بالانسحاب ومعهم قتلاهم وجرحاهم دون ترك أحد منهم والذي دل عليهم الدماء النازفة منهم.

انتهت المعركة بنصر مؤزر للجندي المصري عندما أُتِيحَتْ له فرصة حقيقية لمواجهة العدو، وفي المقابل فشل العدو المتغطرس من عبور منطقة رأس العش إلى مدينة بور فؤاد.

في نشرة السابعة صباح اليوم التالي صدر قرار جمهوري بترقية جميع ضباط وضباط صف وجنود أبطال رأس العش إلى الرتبة والدرجة الأعلى.

تم إنشاء نقطة مصرية قوية في مكان تلك المعركة ظلت هي الوحيدة لنا شرق القناة وهي نقطة الكيلو متر 10 حتى معركة التحرير في حرب أكتوبر المجيدة.

يواصل البطل فتحي عبد الله عطاءه لقواته المسلحة في خدمة مصر حتى أنه خلال حرب أكتوبر المجيدة كان عضوًا بهيئة التدريس بالكلية الحربية بجناح الصاعقة لإخراج مزيد من الأبطال الجدد.

أنهى البطل خدمته عام 1994 برتبة اللواء، وحصل على نوط الواجب والخدمة الطويلة إلى جانب الترقية الاستثناية.

يستمر ويتواصل العطاء حتى الآن بوجود سيادته مستشارًا عسكريًا بالكلية الحربية العريقة مصنع الرجال.

الى أن توافه الله عام 2020

مقالات ذات صلة