اغتراب جيل

اغتراب جيل
كتب: محمود جاب الله
في علم النفس، هناك حالة أخطر من الاكتئاب، يسمونها “الاغتراب”. أن يكون الإنسان حياً يرزق، يذهب إلى عمله كل صباح، ويلقي التحية على جيرانه، لكنه في داخله يشعر أنه لا ينتمي إلى هذا المكان، ولا إلى هذا الزمان.
هذه الحالة هي بالضبط ما يعيشه اليوم *جيل الثمانينات في مصر.*
جيل الثمانينات هو جيل معلق في الهواء. آخر جيل سمع كلمة “عيب” قبل أن يسمع كلمة “حرية شخصية”، وآخر جيل تربى على أن الجار أب، والمعلم رسول، وكلمة الرجل عقد لا ينقض. تربى على أن الرزق بعرق الجبين، وأن النجاح سلم يصعد درجة، وأن الستر هو قمة الغنى.
كبرنا على صوت أم كلثوم في الراديو، وعلى مسلسل تجتمع عليه العائلة كلها، وعلى تليفون بقرص كان الجيران كلهم يحفظون رقمه. كبرنا على أن البنت حياء، والولد جدعنة، وأن من يخطئ يعتذر، ومن يقدم لك معروفاً تقول له شكراً من قلبك.
ثم فجأة، وبدون مقدمات، تغير العالم.
استيقظ هذا الجيل ليجد أن كل ما تربى عليه أصبح موضة قديمة. وجد أن الصوت العالي أصبح قوة، وقلة الأدب أصبحت صراحة، والنفاق أصبح ذكاء اجتماعياً، والغش أصبح شطارة. وجد عالماً يقيس قيمة الإنسان بعدد المتابعين، لا بما يملك من علم أو أخلاق. عالماً يصفق للتافه ويحارب الأصيل.
وهنا بدأ الاغتراب.
جيل الثمانينات لا يستطيع العودة إلى الماضي. الماضي بنظافته وأصوله وأخلاقه انتهى، ومن يتمسك به اليوم يتهم بأنه “دقة قديمة” لا يفهم لغة العصر.
وفي الوقت نفسه، لا يستطيع أن يتصالح مع الحاضر. حاول أن يجاريه، أن يتلون بلونه، أن يتخلى عن بعض مبادئه ليمشي الحال، ففشل. ضميره يوجعه. تربيته تمنعه. شيء بداخله يقول له: هذا ليس أنت.
هو جيل دخل سوق العمل فاصطدم بجدار الواسطة والمحسوبية، فتزوج فاصطدم بجدار الأسعار التي لا ترحم، فأنجب فوجد نفسه يخوض حرباً يومية ضد شاشة صغيرة في يد ابنه، تهدد أن تهدم في ساعة ما بناه هو في سنوات.
لذلك، تجد أبناء هذا الجيل صامتين. ليسوا ضعفاء، بل مرهقين. تجد الواحد منهم يجلس في وسط الزحام، في المترو، في المقهى، في عمله، لكنه شارد. يفكر: كيف أربي ابني على الصدق في عالم يكافئ الكذب؟ كيف أعلمه الأمانة في عالم يعتبر الأمانة سذاجة؟
الاكتئاب الذي يصيب جيل الثمانينات ليس اكتئاباً عادياً يعالج بقرص دواء. إنه اكتئاب وجودي. اكتئاب من يشعر أنه غريب في وطنه، غريب بين أهله، غريب في لغته.
نحن لا نكتب هذا المقال لنبكي على الماضي، فالماضي لا يعود. ولكننا نكتبه لنقول: رفقاً بهذا الجيل.
رفقاً به لأنه الجيل الوحيد الذي حاول أن يحافظ على البوصلة حين ضاعت بوصلات الجميع. رفقاً به لأنه الجيل الذي لا يزال يوقف سيارته ليمر رجل مسن، ولا يزال يقف في المترو لسيدة، ولا يزال يخجل أن يلقي ورقة في الشارع.
جيل الثمانينات ليس جيلاً فاشلاً، بل هو جيل أصيل في زمن قرر أن يتنازل عن أصالته.
وإذا كانت الأمم تبنى بسواعد أبنائها، فإنها لا تستقيم إلا بأخلاقهم. وهذا الجيل، رغم كل ما يعانيه من اغتراب، لا يزال يحمل آخر ما تبقى من أخلاق هذا الوطن.
فحافظوا عليه، قبل أن يصبح هو الآخر غر
يباً تماماً، وينسى الطريق إلى بيته.


