المقالات والسياسه والادب

التعوّد على الوحدة..بقلم: مستشار محمود السنكري

التعوّد على الوحدة

بقلم: مستشار محمود السنكري

ليس أصعب على الروح من أن تتحوّل الوحدة من حالة عابرة إلى أسلوب حياة ومن زائر ثقيل الظل إلى رفيق دائم يجلس على مائدة الأيام ويشرب من نفس فنجان قهوتك كل صباح

الوحدة حين تستوطن قلبك لا تأتي فجأة بل تتسلل على أطراف أصابعها حتى إذا ألفتها وجدت نفسك لا تذكر متى فتحت لها الباب ولا كيف منحتها مقعداً في أعمق زواياك

في البداية تحاول مقاومتها…

تخرج وتحادث الناس وتملأ جداولك باللقاءات لكنك تكتشف أن الصخب لا يلغي الصمت وأن الضحكات لا تردم الفراغ وأن ازدحام الوجوه لا يعوّض غياب مَن كان يملأ الكون بمعناه

ثم شيئاً فشيئاً تبدأ ملامحك بالتشكل وفق مقاسها يصبح صوتك أخفض وكلماتك أقل ونبضك أهدأ كأنك تخشى أن توقظ فيك حنيناً دفنته عمداً

التعوّد على الوحدة ليس هزيمة دائماً بل أحياناً هو نوع من التكيّف مع واقعٍ لا يمنحك ما ترغب فيصير الاكتفاء بذاتك سلاحاً ضد الانكسار

هي مدرسة قاسية لكن من يتخرج منها يتعلم أن يكتب رسائل بلا عنوان ويصنع أعياده الخاصة ويجد في كتاب أو لحن أو فنجان قهوة ما كان يجده يوماً في وجود آخرين

لكن الخطر الحقيقي أن تتحول الوحدة من علاج مؤقت إلى إدمان صامت أن تصبح هي الوطن وكل ما سواها غربة أن ترفض يدًا تمتد إليك لأنك صرت تخشى الفقد أكثر من رغبتك في الوصل

حينها لا يعود قلبك مغلقاً على الألم فحسب بل مغلقاً على الفرح أيضاً وكأنك وضعت لافتة على بوابة روحك تقول “مغلق… حتى إشعار آخر”

فلتكن الوحدة محطةً لا مرفأ عبورًا لا إقامة ظلًّا نستظل به من لهيب الخيبة لا سقفًا نعيش تحته عمرًا بأكمله

دع قلبك يُبقي نافذةً صغيرة مفتوحة لعل نسمة ودّ أو ضوء حبّ يتسلل منها يومًا فيعيدك إلى رحابة الحياة

فحتى أكثر القلوب اعتيادًا على الصمت ما زالت في أعماقها تنتظر طرقًا خفيفًا على بابها يوقظها من غفوة الوحدة ويذكّرها أن الدفء لا يُخلق إلا حين يتقاسم النبض قلبان..

مقالات ذات صلة