المقالات والسياسه والادب

العدالة حق وليست امتِيَازا

العدالة حق وليست امتِيَازا

 

ملفينا توفيق ابو مراد

*

“العدالةُ حقٌّ لكل مواطن، وليست امتيازاً يُمنح لفئة دون أخرى”.

في المعنى اللغوي، كلمة «حقيقة» مشتقة من الفعل «حَقَّ»، أي ثَبَتَ واستقرّ. وهنا يتفجّر السؤال الموجع: متى ستظهرين أيتها الحقيقة، ويثبت حضوركِ الساطع بين الناس؟

أين هي الإنسانية؟ هل ضاعت، أم إنها لم تكن موجودة أصلاً لدى من تسبب بموت المئات، وخَلَّف آلاف الإصابات، ودمّر الممتلكات والبيوت؟ هل هو ضياعٌ أم هدمٌ وتبديدٌ متعمّد لكل ما بناه الناس في سالف أعمارهم؟ هذا هو شأن مجرمي الرابع من آب ٢٠٢٠.

اليوم، ينادي أهالي الضحايا بـ «القرار الظني»؛ وهو القرار القضائي الذي يصدر في ختام التحقيق الابتدائي ليحدد الوصف القانوني للجرم ويحيل المتهمين إلى المحكمة. ولكن، عجباً! ست سنوات مضت ولم يصدر هذا القرار! فهل سيصدر بعد رحيل أهالي الضحايا؟ أم بعد رحيل الجناة؟ أولئك الجناة الذين يعرفون أنفسهم جلياً، ويختبئون في حمى من يحميهم، وربما كان من يحميهم هو من استورد وخزّن وفجّر!.

في المفاهيم الدينية:

تجلت العدالة الأسمى في قول السيد المسيح : في “عظة الجبل” حين دعا إلى برّ وعدالة تفوق الحرفية القانونية البحتة، وترتبط بنقاء القلب والنية الصادقة، و جاء في إنجيل متى (الصحاح ٧):

«لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ».

 

و ما ورد “القرآن الكريم” ؛ بالشمول المطلق والعدل في الحكم والشهادة:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].

 

أما ما ورد على ألسنة الفلاسفة:

 يقول سقراط في رفض الظلم:

    «إن ارتكاب الظلم أسوأ بكثير من التعرض له، لأن الظلم يفسد الروح».

  

ورأى أن العدالة هي فضيلة النفس، وترتبط بحكمة العقل وسيطرته على الشهوات داخل الإنسان، وصولاً إلى التزام القوانين وعدم الهروب من تطبيقها حتى لو كان الثمن حياة الفرد نفسه.

   

 وعن العدالة.. الصامت الأكبر، يقول ابن خلدون:

    «إن الظلم والاعتداء على حقوق الناس وأموالهم يدمر الدول ويقضي على الآمال، ويجعل الرعية تفقد الولاء للحاكم فتسقط الدولة».

كما قال أفلاطون:

    «تتحقق العدالة المجتمعية حين تلتزم كل طبقة بدورها المرسوم دون تعدٍ».

  

بعد ست سنوات على انفجار المرفأ، ما زال اللبنانيون ينتظرون أن تلتقي الحقيقة بالعدالة. لأن الحق لا يسقط بالتقادم، وكرامة الضحايا والشهداء تقتضي أن يعرف الناس الحقيقة كاملة، وأن يأخذ القضاء مجراه النزيه بلا تسويف

ولا حماية لمجرم.

٢٠٢٦/٨/٣

مقالات ذات صلة