ثمة لحظات قليلة في حياة الإنسان يتوقف فيها عن مطاردة الأشياء، ويجلس أخيراً في حضرة نفسه. لا يحمل سؤالاً محدداً، ولا ينتظر جواباً جاهزاً، بل يترك قلبه مفتوحاً على اتساعه أمام هذا الوجود المترامي، فيصغي إلى ما لا يُقال بالكلمات.
هناك، في ذلك السكون النادر، يكتشف أن الحياة ليست كما ظنها يوماً سلسلة من الأيام المتشابهة، ولا مجموعة من المواعيد والالتزامات التي تتراكم فوق كتفيه عاماً بعد عام. إنها شيء أكثر رهافة من ذلك بكثير؛ إنها هذا التدفق الخفي الذي يعبره في كل لحظة دون أن ينتبه إليه إلا حين يبتعد.
نحن لا نفقد أعمارنا دفعة واحدة، بل تتسرب منا على هيئة لحظات غير معاشة، وأحاديث مؤجلة، وأحلام تركناها على أرصفة الانتظار. وكلما أوغلنا في الركض خلف ما نريد الوصول إليه، غاب عنا ما نحن فيه بالفعل.
ولعل أعظم حكمة يمكن للمرء أن يتعلمها هي أن الحياة لا تحدث غداً، بل تحدث الآن. في هذا النفس الذي يخرج من الصدر. في هذا الضوء الذي يتسلل من نافذة الصباح. في هذا الوجه الذي يبتسم لنا عابراً. وفي هذه الفرصة الصغيرة لفعل خير قد لا تتكرر.
إن الإنسان يظن أحياناً أن المعنى يقيم في المحطات البعيدة، بينما هو مختبئ في التفاصيل التي يعبرها كل يوم دون انتباه. في فنجان قهوة يُشرب بطمأنينة، وفي دعاء صادق يخرج من القلب، وفي يد تمتد لتخفف عن متعب، وفي لحظة امتنان صامتة لما هو موجود بالفعل.
كل شيء حولنا يذكّرنا بأن البقاء ليس قانون هذا العالم. الأشجار تبدل أوراقها، والبحار تغيّر أمواجها، والوجوه تتبدل، والفصول تمضي في دورانها الأبدي. ومع ذلك لا يبدو الكون حزيناً لهذا التغير المستمر، بل يحتضنه كجزء من جماله العميق.
لذلك ربما لا تكون الحكمة في مقاومة العبور، بل في حسن العيش أثناءه. أن نمضي بخفة العارفين بأن كل شيء عابر، وبامتنان المحبين لكل ما يُمنح لهم ولو كان مؤقتاً.
فما قيمة العمر إن لم يتحول إلى أثر؟ وما قيمة الأيام إن لم تثمر وعياً أرحب وقلباً أكثر رحمة ونظرة أكثر صفاءً؟
إننا لا نملك الزمن كما نتوهم، بل نستعير لحظاته استعارة قصيرة. وما نسميه حياة ليس سوى فرصة ثمينة لنمنح هذه اللحظات معنى يليق بها.
وحين يهدأ ضجيج العالم، وتتوارى المطامع الصغيرة خلف الأفق، يدرك القلب حقيقة بسيطة وعظيمة في آن واحد: أن الوجود كله ليس إلا دعوة متجددة إلى الحضور.
وعند آخر درجات التأمل، لا يعود الإنسان منشغلاً بعدد الأيام التي عبرت، ولا بعدد الأيام التي قد تأتي. يصبح أكثر انشغالاً بنقاء اللحظة نفسها. كأن روحه قد تعلمت أخيراً سر السكينة.
هناك يشعر أن الزمن لم يكن نهراً يجرفه، بل كان معلماً رفيقاً يقوده نحو ذاته. وأن العمر لم يكن رحلة بحث عن شيء خارج عنه، بل رحلة عودة طويلة إلى النور الكامن في أعماقه.
وعندما تتسع البصيرة لهذا المعنى، يصبح لكل شيء وجه آخر؛ للصمت حكمة، وللانتظار حكمة، وللرحيل حكمة. ويغدو القلب كمرآة صافية تعكس جمال الوجود دون أن تتعلق بشيء منه.
عندها فقط يفهم المرء أن السر لم يكن في الأمس ولا في الغد، بل في تلك النفحة الإلهية التي تتجدد في كل آن، وأن الحضور الكامل في لحظة واحدة قد يفتح من أبواب المعرفة والمحبة ما لا تفتحه أعوام طويلة من الغفلة.
فكن في اللحظة كما تكون القطرة في البحر؛ لا تفقد ذاتها، ولا تنفصل عن الكل. وكن في الحياة كما تكون الشجرة في الريح؛ ثابتة الجذور، مرنة الأغصان. ودع قلبك يتعلم فن الإصغاء لذلك النداء الخفي الذي يتردد في أعماق الكائنات جميعاً.
فكلما اقتربت من جوهرك، اتسع الكون في داخلك. وكلما خف تعلقك بما يزول، ازداد نصيبك مما يبقى. وحينئذٍ لا تعود تسأل أين يمضي الزمن، لأنك تكون قد صرت جزءاً من ذلك الحضور الرحب الذي لا يحده وقت، ولا تحجبه المسافات، ولا تنطفئ أنواره أبداً.