المقالات والسياسه والادب

الوعي وترتيب العلاقات بالكلمات

الوعي وترتيب العلاقات بالكلمات

بقلم… هدى عبده 

 

في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة تنتقل أسرع من قدرتنا على فهمها، لم تعد المعارك دائمًا تُخاض في الميادين، بل انتقلت إلى مساحات خفية تسكنها الأفكار والانفعالات.

نحن نعيش وسط عالم مزدحم بالأصوات، كل صوت يريد أن يكون الأعلى، وكل رأي يبحث عن مناصرين، حتى أصبح الإنسان أحيانًا يشارك في صراع لا يعرف بدايته ولا يدرك من يقف خلفه.

المشكلة ليست في اختلاف البشر، فالاختلاف طبيعة في الحياة، وإنما الخطر حين تتحول الفكرة إلى سلاح، وحين يصبح الغضب هو اللغة الوحيدة التي نتقنها.

كم من موقف بدأ بجملة مبتورة، أو معلومة غير مكتملة، ثم تحول إلى خصومة واسعة بين أشخاص لم يجلسوا يومًا ليفهم بعضهم بعضًا. وكم من مرة انتصرنا للانفعال قبل أن نبحث عن الحقيقة.

لقد تغير شكل التأثير في هذا العصر؛ لم يعد الأمر يحتاج إلى مواجهة مباشرة حتى يترك أثره. أحيانًا تكفي رسالة واحدة تُزرع في المكان الخطأ، لتصنع مسافة بين القلوب، وتحوّل القريب إلى غريب، والشريك إلى خصم.

والأخطر أن الإنسان قد يظن أنه يدافع عن قضية عظيمة، بينما هو في الحقيقة يتحرك داخل دائرة مرسومة له من حيث لا يشعر. يستهلك طاقته في الجدال، ويمنح وقته للغضب، ويبتعد عن أهم ما يحتاجه: الوعي والاتزان.

ليست كل معركة تستحق أن نخوضها، وليس كل استفزاز يستحق أن نرد عليه. هناك انتصارات صغيرة في الصمت، وفي التحقق، وفي أن نرفض أن نكون مجرد رد فعل على ما يُلقى أمامنا.

القوة الحقيقية ليست في سرعة الحكم، بل في القدرة على التوقف لحظة والتفكير. ليست في رفع الصوت، بل في امتلاك البصيرة التي تجعلنا نعرف متى نتكلم ومتى نترك الضجيج يمر.

فالمجتمعات لا تنهار فقط حين تواجه خطرًا خارجيًا، بل حين تفقد الثقة بين أفرادها، وحين يصبح الشك أقوى من الحوار، والانقسام أقرب من التفاهم.

ربما نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن نعيد ترتيب علاقتنا بالكلمة؛ أن نستخدمها للبناء لا للهدم، وللتقارب لا للفرقة.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يختلف مع غيره… بل أن يفقد القدرة على رؤية الإنسان فيمن يختلف معه.

د. هدى عبده ✒️

مقالات ذات صلة