بعد العسر يُسر

بعد العسر يُسر
بقلم نور شاكر
خلق الله الحياة قائمةً على التبدل والتغير، فلا يدوم فيها حال، ولا تستقر على صورة واحدة. فالأيام تتعاقب بين فرحٍ وحزن، وغنىً وفقر، وصحةٍ ومرض، وقوةٍ وضعف، حتى يدرك الإنسان أن الدنيا دار ابتلاء لا دار بقاء. ولو تأملنا سنن الكون لرأينا أن الليل مهما طال فلا بد أن يعقبه فجرٌ مشرق، وأن الشتاء مهما اشتدت برودته يعقبه ربيعٌ تزهر فيه الأرض من جديد. وكذلك هي حياة الإنسان؛ تمر بها العواصف، وتشتد فيها الأزمات، لكنها لا تبقى إلى الأبد، لأن الله جعل بعد كل ضيقٍ فرجًا، وبعد كل عسرٍ يسرًا. وقد بثَّ سبحانه وتعالى هذه الحقيقة في قلوب المؤمنين حين قال في كتابه الكريم: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فجاء التكرار ليغرس اليقين في النفوس، ويبدد ظلام اليأس، ويؤكد أن رحمة الله أقرب إلى عباده مما يظنون.
ويمر الإنسان في حياته بمواقف يشتد فيها الكرب، حتى يظن أن الأبواب قد أُغلقت كلها، وأن الأمنيات التي عاش من أجلها قد تبعثرت، وأن المستقبل لم يعد يحمل له إلا مزيدًا من الألم. وربما يقف عاجزًا أمام ما يواجهه من مصاعب، فيشعر بثقل الأيام، ويظن أن الفرج بعيد المنال. غير أن الزمن يكشف له، بعد انقضاء تلك المحنة، أن ما مر به لم يكن إلا مرحلة عابرة، وأن تلك الصعوبات كانت سببًا في بناء شخصية أقوى، وقلب أكثر صبرًا، وعقل أكثر حكمة. فما أكثر إنسان خرج من تجربة مؤلمة أكثر نضجًا وإيمانًا، وما أكثر باب أُغلق ليقود صاحبه إلى باب خير لم يكن يتوقعه.
ولقد علمتنا الحياة أن كثيرًا من المحن تحمل في داخلها عطايا خفية. فكم من خسارةٍ بدت في ظاهرها مؤلمة، ثم تبين بعد سنوات أنها كانت سببًا في نجاح عظيم. وكم من فشلٍ ظنه صاحبه نهاية الطريق، فإذا به يصبح بدايةً لإنجاز لم يكن يحلم به. فالإنسان لا يدرك دائمًا الحكمة من الأحداث التي يمر بها، لكن الأيام كفيلة بأن تكشف له أن الله لا يقدر لعباده إلا ما فيه خيرهم، وإن خفيت الحكمة في البداية. ولذلك فإن المؤمن يطمئن قلبه، لأنه يعلم أن تدبير الله خير من تدبيره لنفسه، وأن ما اختاره الله له خير مما اختاره هو لنفسه.
وليس اليسر مقصورًا على زوال الشدة وانتهاء البلاء، بل إن اليسر قد يكون حاضرًا مع العسر نفسه. فقد يكون في الصبر الذي يقذفه الله في قلب عبده، فيتحمل ما لم يكن يظن أنه قادر على تحمله، وقد يكون في الطمأنينة التي تمنحه السكينة وسط العواصف، أو في الأشخاص الذين يسخرهم الله لمساندته، أو في الدروس العظيمة التي يتعلمها من التجربة. فالشدائد، على قسوتها، تصقل النفوس، وتكشف معادن الناس، وتعلم الإنسان قيمة النعم التي كان يغفل عنها، وتجعله أكثر تواضعًا ورحمةً بمن حوله، وأشد شكرًا لله على فضله.
كما أن المحن تعلم الإنسان الاعتماد على الله وحده، وتغرس في قلبه حقيقة التوكل الصادق. ففي أوقات الرخاء قد يظن الإنسان أن قوته وعلمه وماله هي أسباب نجاحه، أما حين تضيق به السبل، فإنه يدرك أن القوة كلها بيد الله، وأن الفرج لا يأتي إلا من عنده. وهنا يزداد قربه من ربه، ويكثر دعاؤه، ويشعر بحلاوة الإيمان التي لا يعرفها إلا من ذاقها في أوقات الشدة.
غير أن انتظار الفرج لا يعني الاستسلام أو التوقف عن العمل، فالإسلام يدعو إلى الأخذ بالأسباب مع حسن التوكل على الله. فالطالب يجتهد في دراسته وهو يرجو التوفيق، والعامل يتقن عمله وهو ينتظر ثمرة جهده، والمريض يتداوى وهو مؤمن بأن الشفاء بيد الله. فالأمل الحقيقي ليس أمنيةً ساكنة، بل هو عمل متواصل، وسعي مخلص، وإيمان راسخ بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن لكل مجتهد نصيبًا مما سعى إليه.
ولقد شهد التاريخ أن أعظم الشخصيات لم تصل إلى النجاح إلا بعد صبر طويل على الشدائد. فما من إنسان حقق إنجازًا عظيمًا إلا وواجه العقبات، وتعرض للإخفاق، وذاق مرارة الفشل، لكنه لم يجعل تلك المحطات نهاية لطريقه، بل حولها إلى دروس يستفيد منها، وخبرات تعينه على مواصلة السير. فالصبر لا يغير الظروف وحدها، بل يغير الإنسان نفسه، فيجعله أكثر قوةً وثباتًا وقدرةً على مواجهة المستقبل.
إن من أعظم نعم الله على عباده أنه يفتح لهم أبواب الرجاء حتى في أشد لحظات الألم، فلا يتركهم فريسةً لليأس، بل يطمئنهم بأن رحمته واسعة، وأن لطفه يحيط بهم، وأن الفرج قد يكون أقرب إليهم مما يتصورون. ولذلك كان حسن الظن بالله من أعظم العبادات، لأنه يملأ القلب سكينة، ويمنح النفس قوةً على الاستمرار مهما اشتدت الظروف.
وفي الختام، فإن الحياة تعلمنا أن العسر ليس إلا مرحلةً عابرة، وأن اليسر وعدٌ صادق من الله سبحانه وتعالى لا يتخلف أبدًا. فلا ينبغي للإنسان أن يستسلم إذا ضاقت به الأيام، ولا أن يفقد ثقته بربه إذا تأخر الفرج، بل عليه أن يصبر، ويواصل السعي، ويتمسك بالأمل، ويحسن الظن بالله في كل الأحوال. فبعد كل عسرٍ يسر، وبعد كل ظلامٍ نور، وبعد كل دمعةٍ ابتسامة، ومن أيقن برحمة الله، وثبت على الإيمان والعمل، وجد أن أبواب الخير تُفتح له في الوقت الذي يقدره الله، وأن أجمل البدايات كثيرًا ما تولد من قلب المعاناة، وأن أعظم المنح قد تأتي متخفيةً في ثوب المحن.



