جنون عاقل

جنون عاقل
بقلم الكاتبة إيمان نجار
في عتمة الذاكرة، يسكن ذلك المجنون العاقل،
رجلٌ لا يُرى ولا يُسمع إلا في صدى صراخ ذاته،
عقله متاهة من الأشباح، حيث تتراقص أفكاره كزئير الوحوش،
وعيناه تلمعان كجمرات تحت رماد الواقع،
يفهم العالم، لكنه لا يُفهم، يرى الحقيقة وهو محتجز خلف قضبان وهمه،
يخاطب الصمت بنشيد الجنون، ويحاكي الظلال بأسرار العقل،
هو ذلك العصفور المحطم في قفص الحكمة،
يطير بلا أجنحة، ويسير بلا خطوات،
مجنون؟ أم هو ذلك العاقل الذي لم تُقدر له هذه الأرض أن تُدركه؟
ينفجر جنونه كبركانٍ صامت، ينسكب على جدران العقل دموعاً من نار،
كأن أفكاره شظايا مرايا أثيرية متمزقة تعكس وجهاً مشوهاً لعالم مترنح
ينزف صمته ألوان الجنون المظلم، يصارع الأشباح التي ولدت من ظلاله،
يتخبط في متاهة الوعي، حيث لا مخرج إلا من هوية مذوبة..
لا يملك مفاتيح السجن، ولا يجرؤ على كسر الأغلال،
وحده يقف أمام مرآة النفس، يرى فيها ذئب الهذيان
لكنّه هو، وأكثر، أقل، مجنون يقرأ العقل ككتاب محترق من جلد الظل
وعاقل يتوه في الغابة السوداء بين شجيرات الضِّربان وصرخات الزَّئرة(صوت صراخ مفزع صدى داخلي للاضطراب)
هو الجنون الذي يختبئ خلف وعيٍ صلب،
حيث ترفرف الأوهام بأجنحة من صمتٍ قاتل،
يصرخ بصمتٍ داخل زوايا العقل المظلمة،
كأنّ عقلًا صافياً يُلقي نفسه في هاوية اللا معقول،
هو العاقل الذي يزحف على أطراف الجنون،
يتسلل بين نسيج الواقع والخيال،
يحمل بين ضلوعه ثورة من الفوضى المنظمة،
وجنوناً يحمل بين يديه مفاتيح العقل.
في وجهه، تعلو ملامح الحكمة، لكن في عينيه،
تتراقص أضواء العاصفة التي لا تهدأ،
يمشي في طرقات لم يجرؤ أحد على ملامستها،
ويرتشف من كأس الألم طعم الوعي،
حين ينسى نفسه، يتوه بين ضباب الفكر،
ويغوص في بحرٍ من الدموع الصامتة،
حيث لا يجرؤ حتى الضوء أن يزور ظلامه.
هكذا هو، جنونٌ عاقل، وحكمةٌ مجنونة،
صراعٌ أبدي بين نيران العقل ولهيب العشق،
بين رغبة الاحتواء وفوضى الانفجار،
هو ذلك الكائن الذي لا يشبه أحداً،
لكن في ذاته يكمن سر الوجود والعدم،
في قلبه تُزهر الفوضى بأبهى حللها،
وفي صمته يكتب تاريخ الجنون الموعود.
ففي دوامة صامتة تتقاذفها أمواج الفكر المتلاطمة، يعيش العقل حكاية متشابكة من الصراعات.
هنا، تتهاوى أقنعة الوعي، وتتفتح أبواب اللاشعور على مصراعيها،
حيث تُولد الوحوش والملائكة في آنٍ معاً.
الجنون لا يصرخ، بل يهمس في ركن مظلم،
يرسم خريطة متعرجة للخيال المنكسر،
ويرسم على جدران الذاكرة لوحات من نيران وبرد متجمد
.في هذا الهاجس، يتحول العاقل إلى سجين أفكاره، ويصبح جنون الصمت أبلغ لغة للنسيان. و
يبقى السؤال يلاحقه: هل هو عقل يجنّ أم جنون يُعقل؟



