جَنَازَةٌ لَمْ يَحْضُرْهَا أَحَدٌ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ لِلإِنْسَانِ قُدْرَةً عَلَى حُضُورِ جَنَازَتِهِ، وَهُوَ مَا زَالَ يَتَنَفَّسُ. وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ أَشَدَّ مَا يُرْعِبُ فِي المَوْتِ أَنْ تَرَى نَفْسَكَ مَيِّتَةً… وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْكَ أَحَدٌ. كُنْتُ وَاقِفَةً بَيْنَهُمْ، أُرَاقِبُ النَّعْشَ الَّمرفوعِ على الأكتافِ وَأَتَسَاءَلُ كَيْفَ اسْتَطَاعَتْ تِلْكَ الفَتَاةُ أَنْ تَبْقَى فِي مِثْلِ هَذَا البَرْدِ طَوِيلًا. ثُمَّ عَرَفْتُهَا. كَانَتْ أَنَا. أَنَا الَّتِي كُنْتُ أَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ حَتَّى لَا يَسْمَعَ أَحَدٌ صَوْتَ شَيْءٍ آخَرَ يَنْكَسِرُ فِي دَاخِلِي. أَنَا الَّتِي كُنْتُ أَقُولُ: «لَا بَأْسَ» حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ العِبَارَةُ قَبْرًا أَدْفِنُ فِيهِ كُلَّ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ أَقُولَهُ. أَنَا الَّتِي كُنْتُ أُعْطِي مِنْ نَفْسِي حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِي مِنِّي إِلَّا تِلْكَ الَّتِي تَقِفُ الآنَ وَتَتَفَرَّجُ عَلَى جَنَازَتِهَا. لَمْ يَبْكِ أَحَدٌ. وَهَذَا لَمْ يُؤْلِمْنِي. الَّذِي آَلَمَنِي أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ: «كَيْفَ وَصَلَتْ إِلَى هُنَا؟» فَقَدْ كُنْتُ أَمُوتُ أَمَامَهُمْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْقُصُنِي سِوَى التَّابُوتِ لِيُصَدِّقُوا. اِقْتَرَبْتُ مِنْهَا. كَانَ وَجْهُهَا هَادِئًا بِشَكْلٍ يُؤْلِمُ. لَمْ تَعُدْ تَخَافُ. لَمْ تَعُدْ تَنْتَظِرُ رَسَالَةً. لَمْ تَعُدْ تُرَاجِعُ كَلِمَةً قَالَتْهَا وَتَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَقُلْهَا. لَمْ تَعُدْ تُرَتِّبُ قَلْبَهَا لِيُنَاسِبَ أَحَدًا. فَقُلْتُ لَهَا: «أَتَعْرِفِينَ كَمْ أَخَذْتِ مِنِّي كَيْ أَبْقَى؟» أَخَذْتِ ثِقَتِي. ثُمَّ أَخَذْتِ طَمَأْنِينَتِي. ثُمَّ أَخَذْتِ تِلْكَ النَّافِذَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي كُنْتُ أُطِلُّ مِنْهَا عَلَى الحَيَاةِ. وَعِنْدَمَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ… أَخَذْتِ نَفْسَكِ. وَعِنْدَمَا بَدَأَ الحَفَّارُ يَدْفَعُ التُّرَابَ نَحْوَهَا، شَعَرْتُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ. لَمْ أَخَفْ عَلَيْهَا مِنَ المَوْتِ. خِفْتُ عَلَيَّ مِنَ الحَيَاةِ بَعْدَهَا. لِأَنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّنِي سَأَعودُ إِلَى البَيْتِ، سَأَفْتَحُ البَابَ، سَأَغْسِلُ وَجْهِي، سَأَرْتَدِي مَلَابِسِي، وَسَأُجِيبُ حِينَ يَسْأَلُنِي أَحَدٌ: «كَيْفَ أَنْتِ؟» بِـ:«أَنَا بِخَيْرٍ.» وَلَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ أَنَّ الَّتِي سَتَقُولُهَا لَيْسَتْ أَنَا. أَمْسَكْتُ تُرَابَ القَبْرِ بِيَدِي، وَتَرَكْتُهُ يَنْزَلُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِي. ثُمَّ قُلْتُ: «سَامِحِينِي… لَقَدْ كُنْتُ أَحْتَاجُكِ، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَحْتَاجُ نَفْسِي أَكْثَر.» وَمَشَيْتُ. لَمْ أَلْتَفِتْ. فَبَعْضُ القُبُورِ لَا نَتْرُكُهَا خَلْفَنَا… نَحْنُ نَحْمِلُهَا فِي صُدُورِنَا وَنُكْمِلُ الحَيَاةَ فَوْقَهَا. وَلَعَلَّ أَقْسَى مَا فِي الأَمْرِ كُلِّهِ… أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَرْثِي الفَتَاةَ الَّتِي مَاتَتْ. كُنْتُ أَرْثِي الفَتَاةَ الَّتِي كُنْتُهَا… وَأَعْرِفُ أَنَّنِي لَنْ أَسْتَطِيعَ دَفْنَهَا مَرَّتَيْنِ.