منوعات

‏جَنَازَةٌ لَمْ يَحْضُرْهَا أَحَدٌ

الكاتبة إيمان نجار

‏جَنَازَةٌ لَمْ يَحْضُرْهَا أَحَدٌ
‏لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ لِلإِنْسَانِ قُدْرَةً عَلَى حُضُورِ جَنَازَتِهِ،
‏وَهُوَ مَا زَالَ يَتَنَفَّسُ.
‏وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ أَشَدَّ مَا يُرْعِبُ فِي المَوْتِ
‏أَنْ تَرَى نَفْسَكَ مَيِّتَةً…
‏وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْكَ أَحَدٌ.
‏كُنْتُ وَاقِفَةً بَيْنَهُمْ،
‏أُرَاقِبُ النَّعْشَ الَّمرفوعِ على الأكتافِ
‏وَأَتَسَاءَلُ كَيْفَ اسْتَطَاعَتْ تِلْكَ الفَتَاةُ
‏أَنْ تَبْقَى فِي مِثْلِ هَذَا البَرْدِ طَوِيلًا.
‏ثُمَّ عَرَفْتُهَا.
‏كَانَتْ أَنَا.
‏أَنَا الَّتِي كُنْتُ أَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ
‏حَتَّى لَا يَسْمَعَ أَحَدٌ صَوْتَ شَيْءٍ آخَرَ يَنْكَسِرُ فِي دَاخِلِي.
‏أَنَا الَّتِي كُنْتُ أَقُولُ: «لَا بَأْسَ»
‏حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ العِبَارَةُ
‏قَبْرًا أَدْفِنُ فِيهِ كُلَّ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ أَقُولَهُ.
‏أَنَا الَّتِي كُنْتُ أُعْطِي مِنْ نَفْسِي
‏حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِي مِنِّي
‏إِلَّا تِلْكَ الَّتِي تَقِفُ الآنَ
‏وَتَتَفَرَّجُ عَلَى جَنَازَتِهَا.
‏لَمْ يَبْكِ أَحَدٌ.
‏وَهَذَا لَمْ يُؤْلِمْنِي.
‏الَّذِي آَلَمَنِي أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ:
‏«كَيْفَ وَصَلَتْ إِلَى هُنَا؟»
‏فَقَدْ كُنْتُ أَمُوتُ أَمَامَهُمْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ،
‏وَلَمْ يَكُنْ يَنْقُصُنِي سِوَى التَّابُوتِ
‏لِيُصَدِّقُوا.
‏اِقْتَرَبْتُ مِنْهَا.
‏كَانَ وَجْهُهَا هَادِئًا بِشَكْلٍ يُؤْلِمُ.
‏لَمْ تَعُدْ تَخَافُ.
‏لَمْ تَعُدْ تَنْتَظِرُ رَسَالَةً.
‏لَمْ تَعُدْ تُرَاجِعُ كَلِمَةً قَالَتْهَا وَتَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَقُلْهَا.
‏لَمْ تَعُدْ تُرَتِّبُ قَلْبَهَا لِيُنَاسِبَ أَحَدًا.
‏فَقُلْتُ لَهَا:
‏«أَتَعْرِفِينَ كَمْ أَخَذْتِ مِنِّي كَيْ أَبْقَى؟»
‏أَخَذْتِ ثِقَتِي.
‏ثُمَّ أَخَذْتِ طَمَأْنِينَتِي.
‏ثُمَّ أَخَذْتِ تِلْكَ النَّافِذَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي كُنْتُ أُطِلُّ مِنْهَا عَلَى الحَيَاةِ.
‏وَعِنْدَمَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ…
‏أَخَذْتِ نَفْسَكِ.
‏وَعِنْدَمَا بَدَأَ الحَفَّارُ يَدْفَعُ التُّرَابَ نَحْوَهَا،
‏شَعَرْتُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ.
‏لَمْ أَخَفْ عَلَيْهَا مِنَ المَوْتِ.
‏خِفْتُ عَلَيَّ مِنَ الحَيَاةِ بَعْدَهَا.
‏لِأَنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّنِي سَأَعودُ إِلَى البَيْتِ،
‏سَأَفْتَحُ البَابَ،
‏سَأَغْسِلُ وَجْهِي،
‏سَأَرْتَدِي مَلَابِسِي،
‏وَسَأُجِيبُ حِينَ يَسْأَلُنِي أَحَدٌ:
‏«كَيْفَ أَنْتِ؟»
‏بِـ:«أَنَا بِخَيْرٍ.»
‏وَلَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ
‏أَنَّ الَّتِي سَتَقُولُهَا
‏لَيْسَتْ أَنَا.
‏أَمْسَكْتُ تُرَابَ القَبْرِ بِيَدِي،
‏وَتَرَكْتُهُ يَنْزَلُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِي.
‏ثُمَّ قُلْتُ:
‏«سَامِحِينِي…
‏لَقَدْ كُنْتُ أَحْتَاجُكِ،
‏لَكِنَّنِي كُنْتُ أَحْتَاجُ نَفْسِي أَكْثَر.»
‏وَمَشَيْتُ.
‏لَمْ أَلْتَفِتْ.
‏فَبَعْضُ القُبُورِ لَا نَتْرُكُهَا خَلْفَنَا…
‏نَحْنُ نَحْمِلُهَا فِي صُدُورِنَا
‏وَنُكْمِلُ الحَيَاةَ فَوْقَهَا.
‏وَلَعَلَّ أَقْسَى مَا فِي الأَمْرِ كُلِّهِ…
‏أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَرْثِي الفَتَاةَ الَّتِي مَاتَتْ.
‏كُنْتُ أَرْثِي الفَتَاةَ
‏الَّتِي كُنْتُهَا…
‏وَأَعْرِفُ أَنَّنِي
‏لَنْ أَسْتَطِيعَ دَفْنَهَا مَرَّتَيْنِ.

مقالات ذات صلة