المقالات والسياسه والادب

حين يصبح العلم لمن يدفع لا لمن يستحق

حين يصبح العلم لمن يدفع لا لمن يستحق

كتب: محمود جاب الله 

 

لم يكن قراراً عادياً حين نص الدستور المصري على أن “التعليم حق لكل مواطن، وهدفه بناء الشخصية المصرية”. كانت هذه الجملة هي العقد الاجتماعي الذي بنت عليه الدولة الحديثة نفسها: أن ابن البواب يمكن أن يجلس بجوار ابن الوزير في نفس الفصل، بنفس الكتاب، بنفس الحلم.

 

اليوم، ونحن نرى زحف المدارس والجامعات الخاصة والدولية، وارتفاع مصاريفها إلى أرقام فلكية، وتراجع مستوى المدارس الحكومية، يجب أن نقولها بوضوح: *خصخصة التعليم هي إعلان رسمي لوفاة مجانية التعليم.*

 

وليست وفاة عادية، بل وفاة بطيئة ومؤلمة.

 

بدأت الحكاية بكلمة ناعمة اسمها “تحسين الجودة”. قالوا: نريد تعليماً أفضل، ففتحنا الباب للمدارس الخاصة. ثم قالوا: نريد منافسة، ففتحنا الباب للجامعات الخاصة. ثم قالوا: نريد تعليماً دولياً، ففتحنا الباب لمدارس بمصاريف تتجاوز رواتب أسرة كاملة في عام.

 

وفي كل مرة نفتح فيها باباً للخاص، كنا نغلق باباً في وجه المجاني.

 

ما الذي يحدث اليوم؟

 

*نحن نصنع نظام طبقات لتعليم 

 

طبقة تتعلم في مدارس مكيفة، بمناهج دولية، بمعامل لغات، بملاعب حقيقية، بمدرس يتقاضى راتباً محترماً فيعطي بضمير، فيتخرج طفلها وهو يجيد ثلاث لغات ويحمل شهادة تؤهله للسفر إلى الخارج.

 

وطبقة أخرى، وهي الأغلبية الساحقة، تتعلم في فصل به 80 طالباً، على مقعد مكسور، بسبورة لا تكتب، مع مدرس مرهق يعمل سائق توكتوك بعد الظهر ليعيش، فيتخرج طفلها وهو لا يجيد كتابة اسمه بالعربية بشكل صحيح.

 

أي عدالة هذه؟ وأي مجانية نتحدث عنها؟

 

لقد كانت مجانية التعليم هي المصعد الاجتماعي الوحيد للفقير. كان الفقير لا يملك أرضاً ولا مالاً ولا نفوذاً، لكنه كان يملك حلماً: أن يعلم ابنه فيصبح طبيباً أو مهندساً أو ضابطاً، فيغير مصير العائلة كلها. مجانية التعليم هي التي أخرجت طه حسين الكفيف الفقير ليصبح عميد الأدب العربي، وهي التي صنعت الدكتور مجدي يعقوب من أسرة بسيطة.

 

خصخصة التعليم تقتل هذا المصعد، وتقطع الحبل الوحيد الذي كان يربط الفقير بالحلم.

 

الخصخصة لم ترفع مستوى التعليم، بل قسمت التعليم إلى سوق. والسوق لا يعرف الرحمة. السوق يعطي من يدفع أكثر. والعلم حين يصبح سلعة لمن يدفع، يصبح الجهل عقاباً لمن لا يملك.

 

أخطر ما في خصخصة التعليم ليس ارتفاع المصاريف، بل ما تزرعه في نفوس الأطفال. طفل في مدرسة حكومية يرى زميله في المدرسة الخاصة يتعلم الروبوت والبرمجة وهو لا يجد مقعداً يجلس عليه، ماذا سيشعر؟ ، سيشعر ان الفرص ليست له، وأن الحلم ممنوع عليه لأنه فقير. وهذا هو أخطر أنواع الانقسام: انقسام في الانتماء.

 

نحن لا نرفض التعليم الخاص، ولا نحاربه. من حق كل أسرة أن تعلم أبناءها حيث تشاء. لكن دور الدولة ليس أن تفتح الباب للخاص وتنسى العام، دور الدولة أن تجعل العام منافساً للخاص، لا مقبرة للفقراء.

 

مجانية التعليم ليست منحة ، ولا صدقة من الحكومة. مجانية التعليم هي حق دستوري، وأمن قومي. 

 

إن إعلان وفاة مجانية التعليم هو في حقيقته إعلان وفاة لفكرة العدالة الاجتماعية نفسها.

 

فهل ننتبه قبل أن نستيقظ فنجد أن

نا بعنا مستقبل أولادنا لمن يدفع أكثر؟

مقالات ذات صلة