المقالات والسياسه والادب
صندوق جائر وجباية مقنعة وممر يئن بالشعب العاثر الممر الرابع والاربعين

بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
في ركن هادئ من الممر جلست أستمع إلى الأوهام في مقهى شعبي يعرفه الناس باسم مقهى النكد لا لشيء إلا لأن أغلب رواده يتحدثون عن المال والقروض وأسعار الصرف والعجز والديون جلست فاختلطت رائحة البن برائحة القلق حيث تتصاعد مع أنفاسهم وتطفو على وجوههم وبين طاولة وأخري قد أكلها الزمن ومجموعة من الرجال كل منهم يحمل كلمتين تكادان أن تكونا صراخا أو سؤالا أو تنهيدة
دخلت على وقع كلمات تنزف من بين الشفاه وكان وقعها مخيفا والسبب تلك الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام عن اقتراب الحكومة من صرف شريحة جديدة من قرض جديد من صندوق النكد الدولي رفعت بصري نحو الطاولة أتابع نظراتهم المطفأة وسمعت أحدهم يقول بصوت غليظ مليء بمرارة السنين مصر تنتظر شريحة جديدة من صندوق النقد مئتان وأربعة وسبعون مليون دولار ليس مبلغا كبيرا لكن كلفته باهظة
سأل أحدهم بصوت مختنق ما الجديد في هذه الشروط فرد الرجل الصامت بهدوء يشبه الحكمة لا جديد على الورق خفض دعم الوقود مراجعة أسعار الكهرباء تحرير سعر الصرف مراجعة الديون تقليص الإنفاق الحكومي تقليص دور الدولة في السوق إصلاحات أعمق في الهياكل الاقتصادية كلها عناوين قد تبدو منطقية لكنها لا ترى الناس بل ترى الارقام ولا تسمع أنين الأسواق بل تقرأ بيان الأوهام
دخل شاب وقال بنبرة ألم وماذا عن الناس كيف يمكن أن تتحمل موجة جديدة من الغلاء كيف تصمد البطون الخاوية والمرتبات التي لا تكفي أسبوعا من الشهر
أجابه رجل من خلف نظاراته نحن لا نملك رفاهية الانتظار بل نحتاج أن نعود إلى أنفسنا إلى إنتاجنا إلى زراعتنا وصناعتنا نزرع ما نأكل ونصنع ما نلبس نعيد الاعتبار للناتج المحلي ونوقف هذا الاعتماد على الخارج
وهنا قاطعتهم بعد أن طال انتظاري طوال الجلسة نحن لا نحتاج إلى شريحة جديدة بل نحتاج إلى شجاعة جديدة شجاعة تقول كفى شجاعة لا ترى القروض خلاصا ولا الصندوق حلا بل تعلن النفير العام لبناء وطن قادر على الاعتماد على ذاته
سكت الجميع لحظة طويلة ثم كسر الصمت رجل يشبه المعلمين قائلا قناة السويس فقدت جانبا من إيراداتها والسياحة لم تعد مستقرة وتحويلات الخارج تتراجع وسعر الصرف في مهب الريح وعجز الموازنة يتسع والديون تزداد والمواطن هو الذي يدفع الفاتورة في كل مرة
قال المفكر إن الصندوق لا يقدم وصفة للإنقاذ بل وصفة للألم هو لا يعالج بل يفكك لا يسأل عن من يدفع الثمن بل يسأل عن الالتزام بالشروط كتب تقاريره دون أن يشعر بألم مريض في غرفة مظلمة
قال الشاب نحن لا نحتاج إلى من يقترض بل نحتاج إلى من يفكر نحتاج من يحمي الناس نحتاج من ينظر في عين طفل جائع ويقول له لن نخذلك
قمت من مكاني وأنا أنظر إلى حقيقة ضائعة في دخان القهوة وصدى الكلام كان ممرا يئن تحت وطأة الأسئلة وعلى الطاولة ميلاد جديد لفكرة تقول إن القرار يجب أن يولد هنا والآن قبل الذهاب الي الممر الخامس والاربعين



