المقالات والسياسه والادب

صهيل الأجوف وقرطاس الوهم على خشبةٍ من الزيف في الممر الثامن عشر

بقلم محمد جابر
كاتب صحفي
هذا الممر لافت للأنظار معظم من فيه من الفئات العمرية الشابة تجمعوا على شكل مجموعات تتخلل كل مجموعة فرد أو اثنان على الأكثر من الأكبر سنا
ماذا يفعلون تبدأ الحكاية عندما ولجت إلى معظم هذه التجمعات للاطلاع وهنا تم الكشف عن مزيد من طبقات الزيف داخل الممر الثامن عشر حيث تتحول الخشبة إلى وسيلة للتربح ويصبح المسرح ذاك الفضاء الذي كان يوما منبرا للفكر والتنوير مجرد سبوبة تدار بعقلية السوق لا بروح الفن
في هذا الممر لا تبدأ الحكاية بنص مسرحي ولا تنتهي بعرض فني بل تبدأ بكومبارس ساذج حلم يوما بالظهور لينتهي به الحال مخرجا بالاسم مستثمرا في أحلام الآخرين يلم الشباب واحدا تلو الآخر يوهمهم بالنجومية ويؤجر قاعة بائسة تحت مسمى بروفات ثم يبدأ بجمع الأموال رسوم مشاركة تكلفة إضاءة مساهمة في الإنتاج بل وحتى تذاكر حضور في عرض لن يشاهده سوى بعض الأصدقاء الذين جاءوا مجاملة لا اقتناعا ولا تقديرا
ولن أتحدث هنا عن أخلاقيات بعض هؤلاء ولا عن عملية الخلط بين شباب يبحث عن تنمية مهاراته وآخرين يمتهنون لأغراض أخرى متنوعة فحديثي هذا يعرفه الجميع وليس مقتصرا على من في هذا الوسط فالسمعة سبقتهم ومتوارثة وهم بارعون في الحفاظ عليها
هكذا تتحول التجربة المسرحية إلى سوق نخاسة صغيرة تباع فيها الأدوار وتشترى فيها الأحلام ويغيب فيها المعنى لحساب المكسب السريع وكل من يعترض يتهم بالحقد وكل من يسأل عن المرجعية يتهم بالتشكيك حتى ذلك المخرج العالمي المزعوم الذي يشكك في خبرات الجميع لا يمتلك مرجعية واضحة ولا تاريخا يذكر سوى حفنة من العناوين الرنانة والادعاءات الفضفاضة
أعلم أن النص مراقب وأن العملية تدار قانونا كما جاء بالنص والمتابعة على أشدها فالشكل العام صحيح وما في الكواليس مرعب واهم من يظن أن هذا الوضع مستمر حتى وإن صبغ بمليون صبغة قانونية هذا خلل في الهيكل التنظيمي لقصور الثقافة وقد استغله المنتفعون وهذا أيضا لا يعنيني
ما يعنيني هنا هو انجراف الشباب في هذا الممر نحو هاوية حتمية فهناك من أوهمهم وهناك من بسبب هذا الانجراف اتجه إلى تيارات أخرى وهناك وقائع تروى على مسمع ومرأى من الجميع سواء من يمر أو من يقبع
ولا يتوقف المشهد عند الأفراد بل يتجاوزهم إلى المؤسسات فالدولة الغائبة عن المشهد لم تفتح مسارح قصور الثقافة أمام الشباب إلا بأجر وكأن الثقافة لم تعد حقا تتكفله الدولة بل خدمة تقدم لمن يدفع أكثر بغض النظر عما يقدم صارت قصور الثقافة مشاريع تجارية تدار بمنطق الربح والخسارة وأصبح مدير القصر الثقافي مهددا بالإقالة إن لم يحقق دخلا بغض النظر عن المحتوى أو القيمة
أي مفارقة هذه نسأل عن الشباب بينما نغلق في وجوههم أبواب المسرح ونطلب منهم أن يدفعوا ثمنا باهظا مقابل حقهم في التعبير نسأل عن غياب الفن ونحن من حاصرناه بين جدران البيروقراطية وحولناه إلى سلعة تباع وتشترى
إن أخطر ما في هذا الممر ليس فساد الفاسدين فحسب بل ذلك النوع الأعمق من الفساد الجهل المقنع والغباء المؤسسي حين يتصدر المشهد من لا يعرف ويدير المنظومة من لا يميز بين الفن والتسلية وبين الثقافة والتهريج إن فساد الجهلاء قاتل لأنه لا يفسد بهدف بل يفسد دون أن يدرك أنه يفعل
وها هي صرخة أخرى من قلب الوجع من الممر الثامن عشر الثقافة ليست مشروعا استثماريا بل قضية أمن قومي وحقا أصيلا للمجتمع المسرح لا يدار بمبدأ التحصيل بل برؤية ورسالة وضمير وإن لم يكن لديكم مشروع ثقافي واضح فأفسحوا الطريق لمن يملكه وادعموا من يمتلك الموهبة والمعنى لا من يشتري القاعات ويبيع الوهم
في الممر الثامن عشر لا نحتاج إلى مسرحيات جديدة بل إلى مواجهة حقيقية نحتاج إلى من يقول كفى لا لمن يصفق للرداءة نحتاج إلى مؤسسات ترى الثقافة مسؤولية لا عبئا وإلى أفراد يفهمون أن الفن ليس وسيلة شهرة بل شرف مهنة ورسالة حياة
وحتى نبلغ ذلك سيبقى الممر الثامن عشر شاهدا على زمن يباع فيه الوعي في المزاد وتسرق فيه أحلام الشباب باسم الفن وتغتال فيه الكرامة على خشبة لا تعرف من المسرح إلا اسمه ويغتال الطالح الصالح
وهنا تسدل الستائر ليبدء العرض بالممر التاسع عشر

قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏ابتسام‏‏

مقالات ذات صلة