المقالات والسياسه والادب

علمتني آية

علمتني آية

كتبت ا. سبيله صبح

 

“قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ”

 

في ليلة هادئة، رأي يوسف عليه السلام في منامه رؤية عجيبة، جعلته يستيقظ وقلبه مفعم بالدهشة، والتعجب لما رآه، فقد رأي : أحد عشر كوكبًا، والشمس والقمر، يسجدون له.

 

 لم يفهم الطفل الصغير معنى ما رأى، لكنه شعر أن في الحلم سرًا كبيرًا، ولعله أراد أن يفهمه، فهرع إلى أبيه يعقوب عليه السلام يحكي له ما رآه، ببراءة الابن وثقته في أبيه.

 

 استمع يعقوب للرؤيا بقلب النبي الحكيم، وأدرك ما تحمله من بشارة عظيمة لابنه، لكنه في نفس الوقت خشي عليه من نفوس أخوته التي قد لا تحتمل التميّز، فقال له في لطفٍ وحكمة:

 

﴿قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا﴾.

 

* علمتني هذه الآية…. أن الحكمة ليست في كثرة الكلام، بل في معرفة متى نتكلم ومتى نصمت. فليس كل ما نراه أو نطمح

 

إليه يصلح أن يُقال أمام الجميع، فهاهو يعقوب عليه السلام يخشى على صغيره غيرة إخوته فبعض القلوب تفرح لفرحنا،

 

وبعضها يضيق بما وهبنا الله من نعمة. وقد يكون الكتمان أحيانًا حماية للنفس لا خوفًا، وحفظًا للنعمة لا بخلًا.

 

* كما علمتني الآية… أن الحسد داء قد يوجد حتى بين الأقربين، وأن الإنسان مأمور بأن يكون فطنًا دون أن يسيء الظن

 

بالآخرين. فالأخذ بالأسباب لا يتعارض مع حسن التوكل على الله، بل هو من تمام الحكمة. وقد أخذ يعقوب عليه السلام

 

بالأسباب حين نصح ابنه بالكتمان، مع ثقته الكاملة بأن أمر الله نافذ لا محالة .

 

* وتعلّمت من هذه الآية…. أيضًا جمال الأسلوب في النصح، فقد سبق التحذير نداء المحبة : يا بني، وكأنها رسالة لكل أب

 

وأم أن التربية الحقيقية تكون باللين والاحتواء، لا بالقسوة والتخويف. فالكلمة الطيبة تفتح القلوب، وتجعل النصيحة مقبولة ومؤثرة.

 

* وهكذا علّمتني هذه الآية….أن أحفظ أسراري، وأن أُحسن اختيار من أُشاركه أحلامي، وأن أدرك أن الصمت في بعض

 

المواقف عبادة وحكمة. كما علّمتني أن أثق بالله دائمًا، وأوقن أن ما كتبه الله لنا سيصل إلينا، مهما طال الطريق، ومهما تعددت الابتلاءات.

 

في الختام… أسأل الله أن يرزقنا الحكمة في أقوالنا وأفعالنا، وأن يطهر قلوبنا وقلوب من حولنا من الحسد والضغينة. وأن يحفظ لنا نعمه ولا يجعلها سببًا في ابتلاء إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مقالات ذات صلة