علمتني الحياة

علمتني الحياة
بقلم… هدى عبده
خطوة العودة إلى النور
في أعماق الإنسان موطنٌ لا تصل إليه ضوضاء العالم، هناك حيث تسكن الروح بعيداً عن صخب الأيام، وحيث تقف النفس أمام مرآتها بلا زيف ولا أقنعة. هناك تبدأ الحكاية الحقيقية؛ حكاية العودة إلى الإنسان الذي ضاع بين زحام الرغبات، وركض طويلاً خلف سراب الأشياء حتى نسي نبع النقاء الذي كان يجري في داخله.
كنت أظن أن إصلاح الحياة يبدأ من الخارج، من تغيير الوجوه والظروف والطرق من حولي، حتى أدركت أن العالم لا يتغير إلا حين يضيء الإنسان مصباحه الداخلي أولاً. فكل قلب يحمل بذرة خير قادرة على أن تصبح شجرة وارفة، وكل نفس تستطيع أن تعود إلى صفائها مهما تراكم عليها غبار السنين.
لقد علمتني الحياة أن أعظم ما نخسره ليس المال ولا المكانة ولا الأشياء التي تذهب وتأتي، بل تلك الرقة التي كانت تسكن أرواحنا، وذلك النور الذي كان يجعلنا نشعر بآلام الآخرين قبل أن يتحدثوا، ونمد أيدينا للمنهكين قبل أن يطلبوا العون.
فالإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنح. ولا يُعرف بعظمة ما يبني حوله، بل بجمال ما يتركه في قلوب من حوله. فقد يكون بيتٌ صغير ممتلئاً بالمحبة أوسع من قصرٍ خالٍ من الدفء، وقد تكون كلمة طيبة من قلب صادق أثمن من كنوز لا تُحصى.
إن الإنسانية ليست اسماً نرفعه ولا شعاراً نردده، إنها نبضٌ يومي يظهر في لحظة غضب حين نختار الرحمة، وفي لحظة قوة حين نختار العدل، وفي لحظة اختلاف حين نبحث عن الفهم قبل الحكم. إنها أن نرى في كل إنسان قصة لا نعرف فصولها، ووجعاً لا يظهر على ملامحه، ومعركة يخوضها في صمت.
وأدركت أن أصعب المعارك ليست تلك التي نخوضها مع الآخرين، بل تلك التي تدور في أعماقنا؛ حين نحارب قسوة القلب، ونروض الغضب، وننتصر على الأنانية، ونختار الخير رغم سهولة الطريق الآخر. هناك يولد الإنسان من جديد، وهناك تستعيد الروح عافيتها بعد طول اغتراب.
فالرحمة ليست ضعفاً، والتسامح ليس انكساراً، بل هما قوة لا يمتلكها إلا من استطاع أن ينتصر على ظله الداخلي. إن القلب الذي يغفر لا يخسر، بل يتحرر من أثقال الحقد، وإن اليد التي تمتد بالعطاء لا تنقص، بل تزداد امتلاءً بالسلام.
وفي النهاية، اكتشفت أن العودة إلى الفطرة ليست رحلة بعيدة تحتاج إلى خرائط معقدة، بل هي خطوة صادقة نحو الداخل. أن نصغي لذلك الصوت الهادئ الذي ظل يخبرنا دائماً بأن الخير أقرب مما نظن، وأن النور لم يغادرنا يوماً، لكنه كان ينتظر لحظة صدق كي يعود مشرقاً.
فالإنسان الحقيقي ليس من لم يخطئ، بل من عرف طريق العودة. وليس من عاش لنفسه فقط، بل من ترك خلفه أثراً يشبه النسمة الطيبة؛ يمر بها الآخرون فيشعرون أن العالم ما زال يحمل شيئاً من الرحمة والجمال.
د. هدى عبده ✒️



