المقالات والسياسه والادب
عندما كنت صغيراً بقلم د. تامر عبد القادر عمار

كان العالم أكبر من أن تحتويه يداي الصغيرتان، وأجمل من أن تفهمه نظرتي البريئة.
عندما كنت صغيراً، كنت أظن أن القلوب لا تنكسر، وأن الطيبة درعٌ لا يُخترق، وأن كل الوعود تصعد للسماء وتتحقق. كنت أصدق أن الأيام تحمل بين طياتها مفاجآت سعيدة، وأن الكبار لا يحزنون، وأن الدموع مجرد شيء يحدث في قصص الأفلام.
كبرت، فاكتشفت أن القلوب أحيانًا تنكسر بصمت، وأن الطيبة قد تُستغل، وأن بعض الوعود تولد ميتة. أدركت أن الأيام لا تهدي السعادة بلا ثمن، وأن الكبار يبكون بحرقة أكبر مما توقعت، ولكن خلف أبواب مغلقة.
عندما كنت صغيراً، كنت أبحث عن الكنوز تحت أسرّتي، وأنتظر المعجزات في كل صباح. كنت أؤمن أن الحياة لعبة شيقة، وأنني بطل مغامر في قصة كتبها الكون لأجلي.
واليوم، أدركت أن الكنوز الحقيقية ليست ذهبًا ولا جواهر، بل ذكريات دافئة، وأحلام بريئة، وقلوب نقية لم تلوثها قسوة العالم.
عندما كنت صغيراً، كانت “غدًا” كلمة سحرية، كل شيء ممكن معها: سنكبر، سننجح، سنكون أبطالاً.
واليوم، أعرف أن الغد لا ينتظر أحدًا، وأنه يتشكل بما نصنعه اليوم، لا بما نحلم به فقط.
عندما كنت صغيراً، كنت أهرب من الحزن إلى حضن أمي، فأجد فيه وطناً أوسع من كل العالم. واليوم، عرفت أن بعض الأحضان تختفي، وأن بعض الأوطان نفقدها حين نظن أنها باقية للأبد.
ومع ذلك، ورغم أنني كبرت، أحاول ألا أنسى ذلك الطفل الصغير داخلي.
أتمسك بحلمه، أؤمن بعفويته، أحتضن دهشته. أحتاج إلى عينيه كي لا يبهت لون الحياة من حولي. أحتاج إلى قلبه كي لا أصبح مجرد رقم آخر في زحام الأيام.
عندما كنت صغيراً، كنت أنظر إلى السماء فأرى طائرات من ورق وأحلامًا معلقة.
واليوم، أنظر إلى السماء نفسها، وأحلم أن أطير من جديد، بنفس الخفة، بنفس الإيمان بأن كل شيء ممكن.. طالما أن الطفل الذي كنتُه، لا يزال حيًا في داخلي



